
داعش تصعد في الشرق والجنوب …. وواشنطن تواصل إخلاء قواعدها وتراهن على حكومة الشرع …..
لا تزال الشكوك تخيم على الشارع السوري تجاه مصير الاف السجناء الذين ينتمون إلى تنظيم داعش الإرهابي وكانوا محتجزين في مخيم الهول الذي أعلنت الحكومة تفكيكه، وكان يضم آلاف السجناء من داعش من جنسيات مختلفة مع عوائلهم. وقد عزز هذه الشكوك تحذيرات من اهالي الرقة من عودة بعض الأشخاص ممن كانوا ضمن صفوف داعش خلال سيطرة الدولة الإسلامية على المدينة، وأشار الأهالي إلى خشيتهم من أن هؤلاء الرجال فروا من سجن الهول.
ومن جانبها حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان لها بعد إعلان الحكومة تفكيك مخيم الهول، وإعلان واشنطن أنها استكملت نقل سجناء داعش البالغ عددهم 5700 من سجن الهول إلى العراق. وقد حذرت المنظمة من أن مصير حوالي 8500 شخص كانوا في مخيم الهول لا يزال مجهولا، ما يؤكد أن هؤلاء وربما أكثر من هذا العدد تمكنوا من الهرب أثناء الفوضى التي سادت المخيم خلال سيطرة الحكومة السورية عليه، دون أن يتم تسليم السجن بشكل قانوني من قوات سورية الديمقراطية التي كانت تدير المخيم بدعم امريكي منذ سبع سنوات.
ودعت هيومن رايتس ووتش الدول لإعادة ابنائهم، وقالت إن الحكومات كانت تزعم أنها لا تستطيع التفاوض مع قسد لأنها جهة غير حكومية، أما اليوم فإن الحكومة السورية باتت تسيطر على المنطقة، وقد أعلنت إخلاء مخيم الهول الذي كان يضم حوالي 28 ألف شخصا منهم حوالي 12500 أجانب من أكثر من 60 دولة و4000 منهم عراقيون.
وفيما تواجه الحكومة السورية تحديات أمنية وأزمات سياسية واقتصادية، وهي تجري مفاوضات مع الأكراد في الحسكة ومع الدروز في السويداء لتوحيد البلاد تحت سلطة واحدة، فإن التحدي الابرز والاخطر الذي يواجهها يتمثل بعودة تنظيم داعش الإرهابي، بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة إخلاء قواعدها في سورية. فقد أخلت القوات الأمريكية قاعدة قسرك وهي من أضخم القواعد في الحسكة، وذلك بعد أيام من إخلاء القوات الأمريكية من قاعدة التنف على مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية. ويبدو أن التنظيم يستغل الأوضاع الأمنية المعقدة لإعادة تفعيل خلاياه النائمة من جديد، متذرعا بانضمام حكومة الشرع إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة، وهو التحالف الذي يضم 90 دولة.
ومع أن الحكومة تسعى لتذليل العقبات خلال المفاوضات مع الأقليات للتفرغ لمحاربة تنظيم داعش الذي أصدر بيانا هو الأول بعد سقوط النظام السابق في سورية، توعد خلاله حكومة الشرع بحرب لا هوادة فيها، وذلك بعد أسابيع من العملية الواسعة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة للانتقام من عملية تدمر التي نفذها أحد عناصر داعش وكان متخفيا كعنصر حراسة مع الوفد الحكومي السوري الذي كان في اجتماع امني مع الجانب الأمريكي. وتفيد التقارير الأمنية أن تنظيم داعش يعيد تنظيم صفوفه في البادية السورية وفي المناطق الشرقية التي استعادتها الحكومة مؤخرا من قسد، وتشكل 30 بالمائة من مساحة سورية. ويسعى تنظيم الدولة الإسلامية إلى استعادة سيطرته داخل المناطق التي لم يدخلها الجيش كالقنيطرة ودرعا في الجنوب، وقد قام بتنفيذ عدة عمليات وصولا إلى العاصمة دمشق، مستغلا حالة الفوضى التي شهدتها السجون ومخيم الهول في الحسكة، وهو المخيم الذي يضم 70 الف من سجناء داعش وعوائلهم وأسرهم. وقد تمكن المئات من السجناء حسب تقارير إعلامية من الهرب من سجن الهول قبل تفكيك المخيم بشكل كامل ونقل السجناء إلى العراق بإشراف امريكي، فيما قامت السلطات السورية بنقل أسر داعش وعوائلهم وتم توزيعهم ضمن مراكز الايواء داخل سورية …..
وفي هذا الإطار ذكرت تقارير إخبارية وتسريبات إلى أن المئات من عناصر داعش فروا من سجن الهول ومن المخيم خلال الفوضى التي حصلت أثناء هجوم الجيش العربي السوري على قوات سورية الديمقراطية التي كانت تشرف على السجون في العشرين من كانون الثاني عام 2026، ولا تزال قسد تسيطر على سجن غويران وسط الحسكة وفيه آلاف العناصر الإرهابية من جنسيات مختلفة.
وفيما تقوم الحكومة السورية بعد انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش خلال زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب في البيت الأبيض في تشرين الأول عام 2025، تقوم بحملات أمنية مكثفة بدعم من التحالف الدولي في مختلف المناطق وبخاصة في دمشق وريفها للقضاء على داعش. وقد تمكنت قوات الأمن خلال الأشهر القليلة الماضية من قتل وإلقاء القبض على عدد كبير من متزعمي التنظيم في البادية ودمشق وريفها، بينهم قائد داعش في ريف دمشق، بالتزامن مع العملية الواسعة التي قامت بها الولايات المتحدة بعد الهجوم على قواتها في تدمر ..
ومع استمرار الانسحاب الأمريكي من سورية، فإن التنظيم يستعد للدخول في معركة كسر عظم مع الجيش العربي السوري والحكومة السورية، ويستغل الانسحاب لرفع معنويات عناصره، فيما تتربص الكثير من الدول بالحكومة السورية الجديدة.
وخلال الأسبوع الفائت، بالتزامن مع نقل سجناء داعش إلى العراق، شن التنظيم سلسلة هجمات إرهابية ضد قوات الجيش والأمن التي دخلت حديثا إلى مناطق دير الزور والرقة شرق البلاد، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وجاءت هذه الهجمات بعد أن توعد التنظيم في بيان له بتصعيد عملياته ضد الحكومة السورية، حيث قتل خلال أربع وعشرين ساعة عنصر من الأمن في هجوم في مدينة الميادين في دير الزور، كما قتل عنصر من قوات الأمن في هجوم مماثل في تل أبيض في الرقة ..
ومع أن عناصر داعش كانوا يحاربون جنبا إلى جنب مع جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام سابقا ضد النظام السابق طوال 14 عاما وهم على لوائح الإرهاب الدولية، إلا أن انضمام الحكومة السورية بقيادة الشرع إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش فجر الوضع بين الحكومة وداعش ..
وأمام الالتزامات الدولية التي قطعتها الحكومة السورية على نفسها بعد انضمامها إلى التحالف الذي تقوده واشنطن لمحاربة داعش، فإن تنظيم الدولة والحكومة السورية أصبحا في خندقين متقابلين، وصعد تنظيم الدولة الإرهابي من هجماته ضد الجيش السوري معتمدا على سياسة اضرب واهرب، وتوعد بتنفيذ عمليات لاغتيال الكوادر في مؤسسات الدولة….
ولم تقتصر هجمات داعش على الشرق السوري في الرقة والحسكة ودير الزور، فقد هاجم التنظيم قوى الأمن في الجنوب وقتل عنصر وأصيب آخرون في هجوم على أحد الحواجز الأمنية في قرية البصيرة شرق درعا، كما نجا قائد الفيلق الثامن سابقا احمد العودة من محاولة اغتيال تلاها اشتباكات في مدينة بصرى الشام في ريف درعا، حيث شهدت البلدة اشتباكات ما استدعى ارسال تعزيزات امنية من دمشق إلى المنطقة، في وقت تمنع إسرائيل نشر الجيش في تلك المنطقة وتواصل دعم الانفصاليين الدروز في السويداء.
وعلى وقع هذه الحوادث الأمنية الخطيرة التي تشهدها معظم المناطق في البلاد، فإن التصعيد الإسرائيلي البري والجوي ضد أبناء الجنوب يطرد مع التصعيد الإرهابي بأشكال مختلفة. حيث تقوم قوات الاحتلال بالتوغل داخل القرى والبلدات السورية في القنيطرة ودرعا، فيما تحلق الطائرات الإسرائيلية بكثافة في أجواء المحافظتين اللتين لم يدخل اليهما الجيش السوري، الأمر الذي يستغله تنظيم داعش لإعادة تعويم نفسه وتنظيم صفوفه لشن هجمات باتجاه العاصمة دمشق، حيث تشكل إسرائيل مظلة أمان للتنظيمات الإرهابية.
وفي بيان لداعش هو الاخطر منذ سقوط النظام السابق، صعد التنظيم الإرهابي لهجته ضد حكومة الشرع وتوعدها في بيان بمهاجمة العاصمة دمشق، فيما كانت القوات الأمريكية تسحب قواتها من الأراضي السورية وتشرف على نقل 5700 من داعش إلى سجون محصنة في العراق …
وبالتزامن مع تعيين مبعوث رئاسي لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع قسد في الحسكة، فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية أن رئيس هيئة الأركان استقبل وفدا من قسد لمناقشة خطوات دمج القوات ضمن ألوية في الجيش السوري. وربما تعزز هذه الخطوات الحرب على داعش بالنظر إلى تجربة قسد الناجحة في محاربة التنظيم.
وفي ضوء هذه المستجدات الأمنية الخطيرة، فقد شهدت العلاقات السورية الأمريكية تحولات إيجابية، ونقلت الولايات المتحدة الأمريكية مجال اهتمامها وتحالفها من الحسكة مع قسد إلى دمشق مع حكومة الشرع، مع أنها تقوم بالوساطة بين الحكومة وقسد. وفي نفس الوقت تدفع إدارة ترامب باتجاه تحسين العلاقات السورية الأمريكية، فيما تكشف تصريحات الرئيس ترامب والتصرفات الأمريكية عن تحول سياسي بالغ الأهمية في مقاربة العلاقات مع دمشق، والرهان على نجاح حكومة احمد الشرع في تحقيق الاستقرار في سورية…. والتحول من دعم قوات سورية الديمقراطية كحليف ضد داعش إلى دعم حكومة الشرع لاستعادة وحدة سورية وإقامة نظام مركزي موحد وقوي في دمشق. إلا أن سحب القوات الأمريكية من سورية، وانضمام حكومة دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ودخول واشنطن كوسيط في المفاوضات الدائرة بين الحكومة السورية والكرد في الحسكة والدروز في السويداء، ومبالغات ترامب بأنه هو من وضع الشرع في موقعه، كل ذلك يشجع تنظيم الدولة ويحفزه من جديد لتصعيد هجماته الإرهابية، ما يضاعف التحديات التي تواجهها الحكومة السورية.

