
واشنطن تحشد السفن وحاملات الطائرات لضرب إيران. وطهران تتحدى وتعلن استعدادها للرد بحرب شاملة في حال استهداف الخامنئي… وموسكو تحذر من الحرب…
يرتفع الهمس في الغرب والشرق حول اقتراب ضرب إيران ثانية للقضاء على نظامها واستبداله بنظام تابع للولايات المتحدة، كما حصل في فنزويلا وسورية… وتحشد الولايات المتحدة من أجل ذلك حاملات الطائرات والسفن الحربية وكل ما تحتاجه القوات الأمريكية من قوة نارية لتحطيم إيران بضربة واحدة وسريعة تكون أكبر من أي حرب تقليدية خاضتها أمريكا حتى الآن، وأقل من حرب نووية.
ويبدو من التصريحات الإيرانية والأمريكية ومن التحذيرات الروسية والصينية والإعلانات الخليجية والإسرائيلية أن توجيه ضربات إلى إيران لم يعد مزحة ترامبية، وإنما أصبح في صلب التفكير العميق للدولة الأمريكية التي تريد أن تهيمن على العالم عسكرياً، وقد اختارت الدول الغنية بالنفط المتحالفة مع الصين، حيث تعتبر إيران جناحاً من الأجنحة الصينية في المنطقة، حيث تعتمد الصين على النفط والغاز اللذين تستوردهما من إيران لبناء حضارتها العتيدة الراسخة وترسيخ قوتها. فيما تعتبر إسرائيل بقيادة نتنياهو أن فرصة ضرب إيران في زمن ترامب لن تتكرر، وأن وجود إسرائيل كدولة سيظل موضع شك وموضع تهديد حقيقي ما دامت إيران تحت حكم المرشد السيد الخامنئي الذي يسعى للانتقام بأي وسيلة بعد الضربات التي وجهتها إسرائيل لإيران وحلفائها، والتي تلت معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ وشملت محور المقاومة بأسرته…
وليس قليلاً المرات التي تتطابق فيها السياسات الأمريكية والإسرائيلية بهذا الشكل، وليس حقد نتنياهو على إيران التي دعمت حماس وحزب الله والحوثيين في اليمن ضدها بأقل من حقد الرئيس ترامب الذي يريد أن يسجل اسمه في التاريخ تحت شعار “السلام عبر القوة”، ليس بصفته قائداً سياسياً وعسكرياً بارعاً، وإنما بصفته رئيساً مهووساً بجمع الثروات، وهو يدرس حياته من أجل أن يجعل أمريكا غنية عبر ممارسة التنمر واللصوصية ونهب ثروات الدول النامية وإبرام الصفقات التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. كما أن تاريخ البشرية لم يسجل أن رجلاً ورئيساً أمريكياً امتلك مفاتيح البيت الأبيض وكان لديه هذا الشغف وهذه الرغبة الجامحة للسيطرة على النفط والغاز والمعادن الثمينة كما يفعل ترامب، الذي يريد – وهذا من سخرية القدر – أن يحصل على جائزة نوبل للسلام لتكون بمثابة مكافأة لبراعته ليس في إطفاء نار الحروب ونشر السلام، بل في عقد الصفقات ونهب الثروات وإفقار الدول والشعوب المناهضة لأمريكا. ولهذا فإن الحرب اليوم باتت أقرب إلى السلام… مع أن ترامب تراجع عن قصف إيران بداية العام ٢٠٢٦ بعد أن أعطى الأوامر لتجهيز القاذفات الأمريكية العملاقة في بداية كانون الثاني، ولكن المستشارين قدموا له النصائح وقالوا له إن الفشل هذه المرة لن يُغتفر، وإن عليه أن يحشد القوة الأمريكية الكافية ليضمن نجاح الهجوم.
وفيما تعد الولايات المتحدة لشن عدوان على إيران تحت عنوان تدريبات واسعة وشاملة في منطقة الشرق الأوسط (كما فعلت قبل ذلك في بحر الكاريبي قبل ضرب فنزويلا وأسر رئيسها مادورو وزوجته)، فإن الإسرائيلي يشجع إدارة ترامب على هذه الخطوة الخطيرة التي تهدد استقرار المنطقة كلها كما تقول الصين وروسيا ودول الخليج. ولكن حماسة نتنياهو وحكومته اليمينية في إسرائيل لضرب إيران لا تهدأ رغم الشكوك والمخاوف الإسرائيلية من أن تدفع إسرائيل الثمن الباهظ، خاصة وأن إيران باتت تعتمد على الصين بشكل كبير وتسعى لجعل بكين تنخرط في السياسة الدولية انطلاقاً من أي عدوان أمريكي محتمل على إيران. وقد نجحت الصين في إدخال التكنولوجيا الصينية العسكرية المتقدمة، وهو ما شجعها على إظهار المزيد من التحدي والقوة في مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية.
ولدى استعراض المواقف والتحذيرات والإعلانات الدولية، وكلها توصل رسالة واحدة مفادها أن ترامب يريد أن يسجل التاريخ اسمه بأنه قضى على نظام الخامنئي في إيران إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، ومهما كانت التكلفة المادية والبشرية التي سيدفعها الخليج وإسرائيل بالدرجة الأولى قبل إيران نفسها…
وفي أحدث التصريحات في هذا المجال، حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن استهداف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي الخامنئي يعني اندلاع حرب شاملة في المنطقة.
من جانبه، قال نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف إن إيران لا تسعى للحروب، لكن قواتها المسلحة لن تتردد في الدفاع عن سيادة البلاد. وأشار إلى أن إيران لديها خطة لإدارة البلاد في الحرب في حال وقوعها.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع العميد رضا طلايي إن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة وعلى أهبة الجهوزية وترصد تهديدات ترامب وتحريضات نتنياهو، وردها على أي عدوان سيكون أكثر إيلاماً من السابق، وأكد أن بلاده تتعرض لحرب هجينة من أمريكا وإسرائيل.
وعلى خط موازٍ، أعلن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي: إن التحشيد العسكري في المنطقة وتهديدات الأعداء لن تنجح، وأشار إلى أن العدو يركز على الضغط على الشعب واقتصاده ويحاول جر الشارع الإيراني لإثارة الاضطرابات والأعمال الإرهابية من جديد، لكننا سنتصدى لمحاولته ونحبطها.
وفي ردود الفعل الدولية على التهديدات الأمريكية ضد إيران، حذر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف من أن أي ضربة أمريكية محتملة لإيران ستزعزع استقرار الشرق الأوسط، داعياً جميع الأطراف المعنية إلى ضبط النفس.
وأكد بيسكوف خلال إفادة صحفية في تقييمه للعدوان الأمريكي المحتمل ضد إيران: أن موسكو تواصل بذل جهودها للمساهمة في تخفيف حدة التوتر الإقليمي، مشدداً على أهمية اللجوء إلى الحوار السلمي.
وأضاف: “نتوقع من جميع الأطراف المعنية ضبط النفس والتوجه نحو المفاوضات السلمية حصراً لتسوية المشكلات الملحة”.
التحذير الروسي جاء وسط مخاوف إقليمية ودولية من اتساع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن سفناً حربية تابعة للبحرية الأمريكية تتجه نحو إيران تحسباً لأي طارئ.
وفي ظل تكتم وتعتيم إسرائيلي وصمت حول هذه التطورات الخطيرة، فقد أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية بأن تل أبيب لا تزال في حالة تأهب تحسباً لهجوم أمريكي محتمل على إيران، مشيرة إلى أن “الولايات المتحدة لا تزال تدرس مسألة مهاجمة إيران”.
في حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، دخلت أمريكا الحرب في اليوم الأخير وقصفت مفاعلات إيران النووية المحصنة في فوردو، وخسرت الكثير من قادتها العسكريين، ولكنها حافظت على نظامها. ولكن التظاهرات التي اجتاحت البلاد بدعم غربي، واشتداد الحرب الاقتصادية في خضم حرب هجينة شاملة تطال البشر والشجر والحجر وهي مستمرة منذ العام ١٩٧٩، فإن إرادة التحدي لدى الإيرانيين يقابلها قناعة أكيدة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تقبلا الحوار، وأن المعركة أصبحت معركة وجود، فأما إسرائيل وأما النظام الإيراني… والعالم ينتظر بقلق ودون أن يحرك ساكناً لحين وقوع الواقعة ضد إيران. وبعد إيران فإن الطريق إلى مناكفة الصين يصبح أكثر سهولة، حيث يريد ترامب المهووس بتركيع الصين لمنطقه التجاري وذلك بالسلام مع بكين وعبر القوة من إيران… وفق شعار السلام عبر القوة…

