
في الرابع من مايو 2026، في مشهد كان قبل سنوات معدودة يبدو مستحيلاً في المشهد السياسي الأمريكي، تجرأ أكثر من 30 نائباً ديمقراطياً بقيادة النائب خواكين كاسترو من تكساس على تحطيم أعظم محرمات السياسة الخارجية الأمريكية: طالبوا وزير الخارجية ماركو روبيو صراحة بالاعتراف العلني بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، بعد أن ظلت واشنطن شريكة في التغطية على هذه الحقيقة لأكثر من خمسين عاماً. هذه الرسالة، التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست يوم الثلاثاء 5 مايو، لم تكن مجرد استفسار برلماني عابر، بل كانت بمثابة زلزال سياسي يهز أساس العلاقة الخاصة التي طالما رعت “الغموض النووي” الإسرائيلي وقننت “الكذب الاستراتيجي” الذي مارسته تل أبيب وواشنطن معاً بوصفه “ضرورة أمنية”. في قلب هذه الرسالة، سؤال حارق يفضح التناقض الصارخ في السياسة الخارجية الأمريكية: كيف يمكن لواشنطن أن تشن حرباً شاملة ضد إيران بحجة خطر برنامجها النووي، وتفرض عقوبات على كل من يقترب من التخصيب، بينما تحافظ على “حديقة نووية خلفية” لإسرائيل تتسع لنحو 90 رأساً حربياً، من دون أي خضوع للتفتيش أو حتى الاعتراف بوجودها؟ لم تكن الحرب على إيران الغطاء الوحيد لهذا التحدي العلني. فالدماء التي سالت في غزة ولبنان، وسقوط آلاف المدنيين تحت القصف الإسرائيلي بمباركة أمريكية، بدأت تخلق شرخاً غير مسبوق داخل الحزب الديمقراطي، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 80% من أنصار الحزب ينظرون اليوم إلى إسرائيل بعين غير إيجابية، مقارنة بـ53% فقط في عام 2022. هذا التحول الدراماتيكي في المزاج الشعبي انعكس بقوة في الرسالة التي لم تكتفِ بمطالبة واشنطن بالاعتراف بما يعرفه الجميع، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، مطالبة بكشف تفاصيل دقيقة عن البرنامج النووي الإسرائيلي: مستوى قدرات التخصيب، المواقع التي يتم فيها إنتاج المواد الانشطارية، والأهم من كل شيء، هل أوصلت إسرائيل إلى واشنطن “خطوطها الحمراء” بشأن استخدام السلاح النووي في الحرب الحالية مع إيران؟. إنها المرة الأولى التي يجرؤ فيها مسؤولون أميركيون منتخبون على كشف القناع عن السر الأعظم، ومناقشة احتمال أن تكون إسرائيل، الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك ترسانة ذرية كاملة، على استعداد لاستخدامها. “لقد كنا جميعاً نعرف هذا السر منذ أواخر الستينيات، لكن لم يجرؤ أي مسؤول على البوح به علناً” هكذا علق المؤرخ أفنر كوهين قائلاً إن “هذا أمر لم يكن أحد يجرؤ على فعله من قبل، حتى مجرد طرح هذه الأسئلة علناً هو خروج عن القاعدة الحزبية”. لدى المتتبع لخفايا السياسة الخارجية الأمريكية، كان صمت واشنطن طويل الأمد هذا مبنياً على “اتفاق غير مكتوب” يعود إلى عام 1969، عندما أبرم الرئيس ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير صفقة ضمنية: تقبل واشنطن بحقيقة أن إسرائيل أصبحت قوة نووية، وتوافق على حمايتها من أي رقابة دولية أو عقوبات، وفي المقابل، تلتزم إسرائيل بعدم إجراء تجارب نووية علنية تزعزع استقرار المنطقة. هذا الاتفاق، الذي وصفه كوهين بأنه “أساس سياسة الغموض”، جعل إسرائيل “القوة النووية الوحيدة التي لا تحتاج إلى الإفصاح أو التوقيع على معاهدة عدم الانتشار، بفضل الحماية الأميركية المطلقة”. وخلال نصف القرن الماضي، التزمت الإدارات الأميركية المتعاقبة – ديمقراطية وجمهورية – بهذا “السر المكشوف”، متجاهلة الانتقادات الدولية، وفي صدارة ازدواجية المعايير التي جعلت من المستحيل تطبيق سياسة متماسكة لمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط. ما يثير سخرية التاريخ اليوم، أن إسرائيل تستخدم نفس “الضباب النووي” الذي رعته واشنطن لتوجيه أصابع الاتهام إلى إيران، بينما هي نفسها تمتلك بالفعل رؤوساً حربية جاهزة، وتعمل مفاعل ديمونا في صحراء النقب بكامل طاقته لإنتاج البلوتونيوم دون أي إشراف دولي. في الرسالة التي وجهها النواب الديمقراطيون، وقعها 30 عضواً يدركون تماماً أن السياسة الحالية “تقوض مصداقية الولايات المتحدة”، لأن واشنطن تطالب إيران والسعودية والإمارات بوقف أي طموحات نووية، بينما ترفض الاعتراف رسمياً بالبرنامج النووي الأكثر تقدماً في الشرق الأوسط.الأكثر خطورة مما تخشاه الرسالة، هو أن الصراع الإقليمي المشتعل قد لا يترك مجالاً لهذا “الغموض المصطنع”. ففي 28 فبراير 2026، اغتالت الضربات المشتركة للطيران الحربي الإسرائيلي والأمريكي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وقيادات الحرس الثوري، في حرب مفتوحة لم تترك أي مجال للشك بأن إسرائيل ترى نفسها فوق أي قانون دولي. ومع توسع الجبهات، ارتفعت التحذيرات من أن الردع الإيراني قد لا يعود كافياً، وأن صواريخ طهران بدأت تهدد مفاعل ديمونا نفسه، الذي يقع على بعد كيلومترات قليلة من الحدود.في هذا الجو المشحون، “سوء تقدير بسيط” قد يتحول إلى هجوم نووي محدود تتبعه كارثة إقليمية. وكما نقلت واشنطن بوست عن مسؤولين أميركيين لم يُكشف عن هويتهم، فإن “القلق من إمكانية استخدام إسرائيل للسلاح النووي يتصاعد داخل أروقة الإدارة، خاصة إذا اخترقت الدفاعات الجوية الإسرائيلية على نطاق واسع”.في الجانب الآخر، تبرز موسكو كمراقب حكيم وصارم لهذا المشهد المتناقض. فروسيا، التي وقعت على معاهدة عدم الانتشار النووي والتزمت بضماناتها، كانت دوماً تنتقد الغرب وازدواجية معاييره. فالكرملين يرى أن تجاهل واشنطن المستمر للترسانة الإسرائيلية، بينما تضيق الخناق على إيران، ليس مجرد نفاق دبلوماسي، بل هو “تفجير متعمد لأي فرصة لتحقيق الاستقرار النووي في المنطقة”. في خطاب ألقاه وزير الخارجية سيرغي لافروف قبل أسابيع، اتهم الولايات المتحدة بـ”الاستبدال المتعمد للقانون الدولي بالإملاءات الأحادية الجانب”، مشيراً إلى أن “القوى الغربية ترغب في احتكار السلاح النووي لحلفائها، بينما تجرم على الآخرين حتى التفكير في الطاقة النووية السلمية”. هذا الموقف الروسي، المتسق مع رؤيته لنظام عالمي متعدد الأقطاب، يجد اليوم دعماً غير متوقع من قلب المؤسسة السياسية الأميركية نفسها.
في خضم هذا الانكشاف المتسارع، يقف النواب الديمقراطيون الذين وقعوا الرسالة في قلب عاصفة قد تمزق أكثر من نصف قرن من التواطؤ. فهم لم يطلبوا فقط معلومات عن “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية، بل وضعوا الأسئلة الأكثر إحراجاً على طاولة وزير الخارجية روبيو: هل لدى واشنطن أي فكرة عن الظروف التي يمكن أن تقود إسرائيل إلى استخدام السلاح النووي لأول مرة؟ وهل تم إطلاع الكونغرس على تقييمات الاستخبارات المركزية في هذا الشأن؟ الإجابات الرسمية المعلنة كانت “الصمت” أو “عدم التعليق”، لكن داخل جلسات الاستماع المغلقة، يبدو أن مسؤولين كباراً يعترفون بأن صورة “الغموض” لم تعد صالحة في زمن الحرب. كما قال خبير حظر الانتشار النووي داريل كيمبال: “عدم الاعتراف يسمح للحكومة الإسرائيلية بتوجيه الانتباه إلى دول أخرى في المنطقة تسعى لأنشطة نووية”. لكن مع تقدم الحرب، بات هذا التمويه غير قابل للاستمرار.
أما الطرف الأكثر تضرراً من خرق هذه القاعدة فهو إسرائيل نفسها. فالاعتراف العلني الأميركي بأنها دولة نووية، وإن أنهى الازدواجية، فإنه سيفرض عليها لأول مرة عبء الامتثال لمعاهدة عدم الانتشار أو مواجهة عقوبات دولية قد تطال المساعدات العسكرية الأميركية. نتنياهو، الذي يدرك أن واشنطن كانت الحارس الأمين لسره النووي لعقود، يجد فجأة أن بعضاً من أقرب حلفاء الولايات المتحدة بدأوا يتساءلون: هل يستحق الحفاظ على هذا السر المستحيل تفجير المنطقة بأكملها؟
باختصار، ما جرى في 5 مايو 2026، ليس مجرد تبادل رسائل برلمانية، بل هو بداية انهيار جدار الصمت التاريخي الذي بنته واشنطن وتل أبيب فوق مفاعل ديمونا منذ عام 1969. ومع استمرار الحرب على إيران، وتصاعد الغضب الشعبي داخل الديمقراطي من حرب غزة، واقتراب كل الأطراف من “خطوط حمراء” لم يتجرأ أحد على تجاوزها، يبدو أن “الغموض النووي” الإسرائيلي الذي استمر لنحو 60 عاماً، كان يحمل في داخله عوامل انهياره الذاتي. روسيا تراقب وتنتظر، والصين تعلق آمالها على انكشاف هذا التناقض الأميركي في المنتديات الدولية، والشرق الأوسط يقف على صفيح ساخن. السؤال الذي ما زال مفتوحاً: هل ستنهار قاعدة الصمت بأكملها قبل أن تنتهي هذه الحرب أم أن الأبواب المغلقة ستظل كما هي، بينما يتنفس العالم الصعداء لأن “البوصلة الأخلاقية” واشنطن ظلت مغمضة تجاه سلاح الدمار الشامل الوحيد الموجود في المنطقة؟ موسكو حذرت، والديمقراطيون كشفوا، والقادم سيكشف الأكثر.

