
في 24 أبريل 2026، لم يكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يقدم مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل كان يكتب “إعلان حقيقة” صادماً، مستعرضاً أمام العالم كشفاً لواقع العلاقات الدولية في عصر الهيمنة المطلقة . لافروف، في مقابلة بثها التلفزيون الروسي الرسمي، كشف الستار عن العقيدة الأمريكية الجديدة: التخلي العلني عن كل المواثيق والاتفاقيات تحت أي ذريعة، والاندفاع وراء مصلحة واحدة: السيطرة الكاملة على أسواق الطاقة العالمية. فبعد سنوات من الحديث عن “النظام القائم على القواعد”، ها هي العاصمة التي يفترض أنها “زعيمة العالم الحر” تعلن صراحة أنها “لن يُملي عليها أحد شيئاً”، وأنها “مستعدة للدفاع عن مصلحتها الخاصة بأي وسيلة – انقلابات، أو عمليات خطف، أو اغتيالات لقادة الدول التي تمتلك موارد طبيعية يحتاجها الأمريكيون”.
هذا التصريح، الذي تزامن مع الذكرى السنوية لبدء الحرب الأوكرانية، لم يكن مجرد رد فعل على الأحداث، بل كان “تحليلاً استباقياً” لما يجري خلف الكواليس. فلافروف لم يتحدث عن “نظرية مؤامرة”، بل عن أدلة ملموسة ووقائع لا تقبل الجدل، تشهد على أن واشنطن دخلت مرحلة جديدة من “العدوان الاقتصادي المباشر”، حيث تحولت الطاقة من سلعة تجارية إلى رأس حربة في حرب عالمية خفية لتفكيك الخصوم وإعادة تشكيل خريطة العالم وفق مصالح الشركات العملاقة.
ربما يكون الجرح الأعمق في كلام لافروف هو الإشارة إلى ما وصفه بـ “أجواء أنكوريج الإيجابية”… ثم تستمر السياسة الأمريكية في فرض العقوبات ودفع الأوروبيين لقطع علاقاتهم مع موسكو، وكأن شيئاً لم يحدث. قال لافروف بمرارة: “الولايات المتحدة تقطع أوروبا عنا، وتحرض الأوروبيين والمجرمين في كييف لرفض الغاز الروسي، بينما هي نفسها غير مشغولة بالسلام، بل بتعزيز هيمنتها الاقتصادية وطردنا من أسواق الطاقة وإجبار شركائنا على التخلي عن مواردنا الرخيصة”.
هنا تكشف الدبلوماسية الروسية عن نمط مألوف من “ازدواجية المعايير”: فبينما يمد المسؤولون الأمريكيون أيديهم للسلام على طاولة المفاوضات، تكون أقدامهم تستعد لرفع سعر الغاز الذي يباع للأوروبيين بأسعار مضاعفة تحت شعار “التضامن مع أوكرانيا”. لافروف كان واضحاً: “هذا ليس نهجاً للعلاقات الدولية، بل محاولة للعودة إلى العصر الاستعماري”، حيث كانت القوى الكبرى تملي إرادتها بالقوة والابتزاز.
لكن أخطر ما جاء في كلام الوزير الروسي، هو ربطه المباشر بين “السيطرة على الطاقة” وأعمال العنف السياسي غير المسبوقة التي شهدها عام 2026. فلطالما اتهمت موسكو واشنطن بنهج “التبعية”، لكنها لم تتهمها بهذا الوضوح بـ “خطف” و”اغتيال” قادة دول ذات سيادة لصالح شركات النفط والعقود البليونية. لافروف استشهد بثلاثة أمثلة حارقة:
· فنزويلا: في 3 يناير 2026، خطفت القوات الخاصة الأمريكية الرئيس نيكولاس مادورو من كراكاس في عملية عسكرية وصفتها واشنطن بأنها “تنفيذ للعدالة”، لكن لافروف قال إن كواليسها كانت مجرد الاستيلاء على ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد أن ثبتت فشل العقوبات في إسقاط النظام.
· إيران: في 28 فبراير 2026، اغتالت الضربات المشتركة للطيران الحربي الإسرائيلي والأمريكي المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات الحرس الثوري، في حرب مفتوحة الهدف المعلن لها هو تفكيك “محور الطاقة الشيعي” وفتح حقول الغاز أمام شركات الغرب.
· أوكرانيا: لم يذكر لافروف كييف كضحية بالمعنى التقليدي، بل كنموذج متكامل لكيفية تدويل الصراع لخدمة شركات الطاقة الأمريكية. فالضغط الأمريكي المستمر على أوروبا لرفض الغاز الروسي جاء متزامناً مع صفقات ضخمة لشركات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية (LNG) التي ضخت 5.2 مليون برميل نفط خام يومياً في أوروبا وآسيا خلال أسابيع الحرب على إيران، وهو أعلى رقم في التاريخ.
الخلاصة التي قدمها لافروف: واشنطن لم تعد تخفي أن المعركة من أجل “دمقرطة” العالم مجرد غطاء للحرب من أجل “براميل النفط”، ومن يقف في طريق مصالحها، سواء كان رئيساً منتخباً أو مرشداً دينياً، فمصيره التصفية الجسدية.
لفهم اتساع رقعة الصراع، توقف لافروف مطولاً عند “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة نفسه. ففي أمريكا اللاتينية، لم تعد الإدارة الجديدة تخفي نبرة “الإمبريالية المكشوفة”، حيث تعاملت مع دول مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا وكأنها “محافظات تابعة” وليست دولاً ذات سيادة. وزير الخارجية الروسي اتهم واشنطن بإعادة العالم إلى “عصر لا شيء فيه” من قواعد العلاقات الدولية، مستشهداً بنمط التهديدات والعقوبات الأحادية التي تفرضها على أي دولة تحاول الالتفاف على الدولار أو عقد صفقات للطاقة مع الصين.
ما يعني هذا، باختصار، أن العقيدة الجديدة التي أعلنتها الإدارة الأمريكية “صريحة وواضحة: لا أحد يملي على أمريكا، ومصالحها فوق القانون الدولي”. هذا الموقف لم يعد حكراً على السياسة الخارجية فقط، بل تسرب إلى الملفات الاقتصادية، حيث يتم ابتزاز الدول لشراء النفط والغاز الأمريكي بأسعار مضاعفة تحت شعار “العقوبات”. والمفارقة المذهلة التي أشار إليها لافروف، أن إدارة ترامب تبيع الغاز المسال لأوروبا بضعف سعره الطبيعي، وتحت ستار “معاقبة” موسكو، تملأ خزائن شركاتها العملاقة بينما يدفع المواطن الأوروبي الفاتورة.
أوروبا التي كانت تفخر بـ “استقلالها الاستراتيجي”، تبدو اليوم، على لسان لافروف، وكأنها مقاطعة خاضعة لأمريكا، تُساق إلى المجهول. فالمسؤول الروسي صدم الرأي العام عندما أعلن أن واشنطن “قطعت” أوروبا عمداً عن الإمدادات الرخيصة، ودفعتها نحو مغامرة كارثية تتمثل في دعم حرب أوكرانيا بأسلحتها واقتصادها. وفي الوقت نفسه، منعت كبرى الشركات الأوروبية من دخول السوق الروسية أو حتى شراء المواد الأولية بأسعار تنافسية، وهددت المجر وسلوفاكيا علانية إذا استمرتا في شراء الغاز الروسي عبر خط أنابيب “دروجبا”.
وصل الأمر حسب لافروف، إلى حد الإكراه الاقتصادي المباشر، حيث تعرضت برلين لضغوط هائلة لوقف مشاريع “نورد ستريم 2” التي كانت ستزود ألمانيا بالطاقة الرخيصة، مما أدى إلى تسريع هجرة الصناعات الألمانية كثيفة الطاقة إلى الخارج، وإفقار المواطن الأوروبي الذي بات يدفع ضعف ما كان يدفعه لقاء الكهرباء. “هذا ليس حلفاً، هذا احتلال”، كما وصف أستاذ علوم سياسية أوروبي في حديث لرويترز، في إشارة إلى النفوذ الأمريكي الذي يحول أوروبا إلى سوق أسيرة للشركات العملاقة.
في خضم هذه الاتهامات الحادة، لم يغلق لافروف الباب على التعاون المستقبلي بشكل كامل، بل أعطى واشنطن وصفة واضحة لفتحه. قال الوزير الروسي: “نحن مستعدون لتنفيذ مشاريع متبادلة المنفعة على أراضينا، وتقديم ما يثير اهتمام الأمريكيين… لكن مصالحنا يجب أيضاً أن تحترم. حتى الآن، لا نرى هذا”. هذه العبارة تمثل “عرضاً روسياً” مقنعاً: يمكننا تزويدكم بكل ما تحتاجون، سواء الطاقة أو المعادن النادرة، لكن التخلي عن الاتفاقيات وسياسة الابتزاز يجب أن يتوقف.
هذا الموقف يظهر أن موسكو، التي أثبتت صموداً أسطورياً تحت وطأة أربع سنوات من العقوبات الغربية، لا تزال تحتفظ بأوراق الضغط الأهم، فبدون الطاقة الروسية، وبدون التعاون الروسي في ملفات مثل الأمن النووي والفضاء، سيكون العالم أكثر فوضى مما هو عليه. لكن حتى الآن، يبدو أن واشنطن اختارت طريق “الهيمنة بالقوة” بدلاً من طريق التوازن المنطقي.
بيان لافروف جاء ليكشف زيف “النظام العالمي” الذي تروجه وسائل الإعلام الغربية، ذلك النظام الذي ينهار أولاً بأول تحت أقدام التوسع النووي الإسرائيلي، أو تحت ضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار التي تنتهك سيادة الدول باسم القيم. باختصار، الاتهام الذي يوجهه الكرملين إلى واشنطن اليوم هو ليس “بسوء النية” أو “النفاق” فقط، بل بالعودة إلى عصور القوة العارية، حيث الصحراء لمن يمتلك السلاح، وحقوق الشعوب ومقدراتها لصالح من يستطيع دفع ثمن الحماية.
بينما تظل أسئلة كثيرة معلقة: أي مستقبل ينتظر العالم إذا كانت المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة ضد الدول الأخرى لا تساوي شيئاً أمام ابتزازات أسواق الطاقة؟ وإذا كانت أمريكا تستطيع اغتيال من تشاء باسم “حرية التجارة”، فمن الذي سيمنع دولاً أخرى من اتباع نفس القاعدة الذهبية؟
ربما ليس لديها إجابات الآن. لكن ما هو مؤكد، كما ختم لافروف حديثه، هو أن العالم دخل مرحلة خطيرة، تتطلب يقظة الجميع lest يتكرر سيناريو نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث القوى الكبرى تحاول إنقاذ مصالحها الخاصة على حساب دماء الملايين. التحذير صدر من موسكو، فهل يصغيه أحد؟

