
مباحثات صينية أمريكية بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترامب في بكين حول تايوان والتجارة الدولية والحرب في الشرق الأوسط..
كشفت المحادثات السياسية والتجارية التي أجراها الرئيسان الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترامب في قاعة الشعب في بكين وسط مظاهر لافتة وإجراءات أمنية مشددة كشفت عن خلافات حول الموضوعات الثلاثة التي تركزت عليها القمة وهي تايوان وإيران والتجارة الدولية… ورغم حرص الدولتين العظميين على إدارة الخلافات العميقة حول هذه المواضيع لتجنب فشل الزيارة الأولى لرئيس أمريكي منذ العام ٢٠١٧ إلا أن الرئيس ترامب في ضوء الإخفاقات في الحرب على إيران وأزمة الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار كان في موقف ضعيف نسبياً أمام الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي حاول إظهار عظمة الصين وقوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، فيما كان ترامب يحمل أوراقاً اقتصادية ووعوداً تجارية ويستقوي بثلاثين من عمالقة الأثرياء ورجال الأعمال وأصحاب شركات التكنولوجيا والتقنيات والذكاء الاصطناعي اصطحبهم معه إلى الصين، وقد تم التوقيع على اتفاقيات عديدة في محاولة لكسب تعاطفها وإغرائها بالاستثمارات والتبادلات التجارية في مقابل وقف دعمها لإيران والحصول على حيادها لتصفية حساباته مع إيران كما فعل في فنزويلا..
الرئيس الصيني الذي تحتل بلاده المرتبة الأولى في مبادلاتها التجارية مع ١٢٠ دولة وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وتعتمد بنسبة ٦٠ بالمائة من نفطها على إيران، تجنب الخوض مع ترامب في مناقشة الحرب في الشرق الأوسط باعتبارها حرباً غير قانونية وغير شرعية، ولكن شي في المقابل استغل الانتكاسة الأمريكية وضعف إدارة ترامب وأعلن موقفاً حاسماً تجاه أزمة تايوان كجزء لا يتجزأ من الوطن الأم الصين، وذلك بعد أقل من شهرين على إعلان الولايات المتحدة عن صفقة أسلحة لتايوان بـ ١٤ ملياراً وهو الإعلان الذي تلقته الصين بغضب شديد..
الرئيس شي جين بينغ الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه يعد العدة ويستعد خلال وجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض لحل أزمة تايوان قال إن ملف تايوان سيحدد طبيعة العلاقات الصينية الأمريكية في المستقبل….
ودغدغت تصريحات شي طموحات ترامب بدعوته إلى الشراكة بين الدولتين العظميين بدلاً من التنافس، مؤكداً أنهما “يمكن أن يساعدا بعضهما على النجاح ويعززا رفاهية العالم”، معتبراً أن “التجديد العظيم للأمة الصينية” وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” “يمكن أن يسيرا يداً بيد”.
الخارجية الصينية اختصرت المشهد بين واشنطن وبكين وقالت في بيان لها إن ما يعني الصين من الزيارة هو موقف الولايات المتحدة من تايوان، واعتبرت أن هذا الموقف هو فصل الخطاب بين الدولتين العظميين في العالم، وأكدت أن قضية تايوان وهرمز والتبادل التجاري كانت أهم الملفات التي تم بحثها خلال زيارة ترامب للصين.
من جانبه قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن ترامب ناقش مع الرئيس الصيني الحرب الدائرة مع إيران والتوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، خلال قمة استمرت أكثر من ساعتين في بكين هي الأولى لرئيس أمريكي منذ عام ٢٠١٧ حين قام الرئيس ترامب بزيارة خلال ولايته الأولى… ولفت روبيو إلى أن بلاده لم تطلب مساعدة الصين في التعامل مع طهران..
وقال روبيو في مقابلة مع شبكة “إن بي سي” قبل اختتام الزيارة إن الجانب الصيني أعرب عن رفضه عسكرة مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور على الملاحة فيه، موضحاً أن هذا الموقف يتوافق مع الرؤية الأمريكية.
ويبدو أن روبيو يحاول أن يعزي نفسه ويذر الرماد في العيون ويظهر الصين في موقف محايد من الحرب غير الشرعية على إيران، متجاهلاً أن ترامب طلب من الرئيس الصيني المساعدة لحل الأزمة مع إيران، وأن الصين استخدمت مع روسيا الفيتو لمنع إعطاء شرعية دولية للحرب، كما زودت الصين إيران بمظلة معلوماتية وأقمار صناعية تجسسية وأسلحة وصواريخ كروز، وفي سياق الدعم الصيني لإيران نشرت الصين في بحر عمان سفينة المراقبة والرصد المتطورة “عين التنين” أو “كاسحة الأشباح” والتي تُعرف بقدراتها الرادارية الهائلة والتي كانت تحدد مواقع القواعد الأمريكية وحاملات الطائرات وتم استخدامها لتوجيه الصواريخ الإيرانية، وهذا الدعم الصيني الأمني والعسكري يأتي في إطار معاهدة التعاون الاستراتيجي بين البلدين الممتدة لـ 25 عاماً.
ولم يكن الإعلان في موسكو وبكين عن زيارة مرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين واجتماع مجموعة بريكس في نيودلهي بحضور وزيري خارجية روسيا وإيران بالتزامن مع وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين ومحادثاته السياسية والتجارية سوى رسالة صينية روسية إيرانية مشتركة تذكر إدارة ترامب بأن عليها أن تخفض من توقعاتها بشأن نتائج زيارة ترامب للصين بعد الحرب على إيران، برغم مظاهر الاحترام اللافتة التي أحاطت بالوفد الأمريكي الذي يضم الرئيس ترامب والوزير روبيو وثلاثين من أثرياء العالم وكبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات العملاقة في التقنيات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي….
ولا شك أن إيران قدمت بصمودها وتحركاتها الدبلوماسية الهامة خلال المفاوضات مع أمريكا في باكستان وفي الميدان خلال الحرب لمدة أربعين يوماً وخلال الحصار البحري الأمريكي المستمر على موانئها، قدمت فرصة حقيقية للصين لتظهر لأول مرة كقوة عظمى معنية بصراع دولي كبير تنخرط فيه أمريكا بشكل مباشر وفي نفس الوقت يمس المصالح الصينية الأساسية ومشروع الرئيس شي الهادف إلى تجديد الأمة الصينية واستكمال مشروع الحزام والطريق الذي تشكل إيران قلبه النابض سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً في آسيا، ولا يمكن لهذا المشروع أن يرى النور في حال حققت أمريكا أهداف الحرب على إيران…. ولو قُدّر للولايات المتحدة الأمريكية النجاح في حربها على إيران كما فعلت في فنزويلا لتغير وجه العالم، ولكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النرجسي بطبيعته يتبختر في ساحة تيانانمن وقاعة الشعب الكبرى كالطاووس المنفوش، ولكن إيران بدعم من الصين ورسيا قلعت قرون الثور الأمريكي الهائج وقلبت الموازين وغيرت المعادلات لتصلح الشرعية الدولية والسلام…
ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن العلاقات الصينية الأمريكية ليست كغيرها من العلاقات الثنائية بين الدول بل هي علاقات معقدة محكومة بعقيدة الأمن القومي لكلا البلدين أمريكا الرأسمالية والصين الشيوعية.. فالصراع بين القوتين حتمي، ومحاولات الولايات المتحدة وإدارة ترامب السيطرة على نفط إيران بعد السطو على نفط فنزويلا لا يخرج عن هذا الصراع المتعاظم مع الصين، ذلك لأن الصين تستورد أكثر من ٦٠ بالمئة من النفط والغاز من إيران وهذه الكمية تمر من مضيق هرمز، وهذا الوضع بالنسبة لبلد بحجم الصين يزيد سكانه عن المليار ونصف المليار يحتم على الصين أن تخوض الحروب من أجل أن تحصل على الطاقة خاصة إذا كانت بأسعار مخفضة، وأن تمنع أمريكا من التحكم بمسلسل الطاقة في العالم.
وفي النتيجة فإن ترامب لا يمكن أن يأخذ كل ما يريد بالخداع والكذب والحروب ويهدد العالم كما فعل هتلر في الحرب العالمية الثانية، والصين معنية بالمحافظة على السلام في العالم، وكما قال السيد المسيح عليه السلام: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.. فالصين وهي تدرك أهمية اللحظة التي تنقلب فيها الموازين أرادت أن تتعاطى مع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقار واحترام وحنكة وهي تدرك أنها تتعامل مع قوة يقودها تاجر يهمه الربح ولا يقبل الخسارة.
فما للصين للصين من مكانة ومساحة جيوسياسية ومبادلات تجارية هي الأعلى مع ١٢٠ دولة وحقوق تاريخية في جزيرة تايوان ومنافسة في الذكاء الاصطناعي وقوة اقتصادية لا تزال تتعاظم يوماً بعد يوم تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ الصارمة.
وما لأمريكا لأمريكا من مكانة ضائعة وهزيمة واضحة مع أن معركة هرمز بحكم المنتهية وإيران تريد أن تفتح المضيق مقابل وقف الحرب عليها وهي تعلم ذلك كل يوم، وهذا ما تكفله الصين وهذا ما يترقبه العالم كنتيجة أولى من نتائج القمة الصينية الأمريكية التي وضعت لأول مرة الصين على عرش العالم دون حرب ودون ضجيج، وذلك بفضل الانتصار الذي حققته إيران عسكرياً وبفضل التعاون والتنسيق الروسي الصيني الذي يهدف إلى وضع حد للهيمنة الأمريكية على العالم، وبفضل إصرار الرئيس الصيني على استعادة تايوان والمضي في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتجاوز الولايات المتحدة التي تتهم الصين بسرقة تقنيات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
ربحت الصين الجولة مع أمريكا بأوراق إيرانية هذه المرة، وبات القلق يتسع في تايوان، وقد كان ترامب في بكين في أضعف حالاته، وربما أعطى هذا الضعف الأمريكي زخماً للصين لتستكمل معركة استعادة تايوان إذا أرادت حقاً أن تتربع على عرش العالم وتستفيد من الدعم الروسي والانقسام والضعف الأمريكي خلال ولاية ترامب، وربما لا تعود هذه الفرصة أمام الصين بعد اليوم…

