
أولت سوريا أهمية بالغة لزيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق، بعد 17 عاماً على زيارة الأمين العام السابق بان كي مون عام 2009.
وتعوّل سوريا كثيراً على الأمم المتحدة والقانون الدولي للجم إسرائيل وطموحاتها، ومساعدتها إنسانياً وتنموياً للخروج من أزمتها، بعد عام ونصف العام على التحرير.
وشملت زيارة غوتيريش فعاليات ولقاءات لامس خلالها جرح سوريا والصعوبات التي تواجهها، إذ التقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس مجلس الشعب الدكتور عبد الحميد العواك ومحافظ القنيطرة غسان السيد أحمد، كما زار سجن صيدنايا والجامع الأموي الكبير، وسط اهتمام إعلامي عربي ودولي.
ورغم أن الزيارة تعد رسالة سياسية أممية مهمة وتحمل معاني ودلالات قوية لدعم المنظمة الدولية للعهد الجديد، وترسيخ الوحدة الوطنية والسلم الأهلي والمحافظة على وحدة الأراضي السورية ودعم مرحلة الانتقال السياسي والمساندة الإنسانية، فإن التمحيص في تفاصيلها وتصريحات الأمين العام، الذي سيودّع منصبه نهاية العام الحالي 2026، يثير ملاحظات عدة.
فلم يزر غوتيريش قوات الأندوف في الجولان السوري المحتل، كما جرى تقليص المساعدات بشكل كبير بحجة أن الدولة السورية الجديدة أصبحت مسؤولة عن مواطنيها، رغم أن سوريا لا تزال مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولا تزال مئات المخيمات في الشمال وملايين السوريين المهجرين الذين لم يتمكنوا من العودة حتى اليوم إلى قراهم بسبب ظروف الحياة القاسية والعقوبات، ناهيك عن المشكلات الأمنية والاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية.
وفي ضوء هذا الواقع، وإذا كانت الأمور تقاس بنتائجها، فإن الأمين العام للأمم المتحدة، بوصفه شخصية دولية مرموقة، قام بواجبه وقدم شهادة إيجابية، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من الجولان السوري المحتل، وقال: «ما لي سوريّة»؟، ودعا المجتمع الدولي مرات عديدة إلى تقديم الدعم للسوريين.
وربما كان التصعيد الإسرائيلي الواسع والتوغلات في قرى عديدة في حوض اليرموك والقنيطرة، وقطع الطرق واعتقال بعض الشبان خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة لسوريا، قد سمّم أجواء الزيارة وشتت الانتباه، وربما كانت هذه التصرفات الإجرامية وراء تغيير جدول أعماله وعدم تمكنه من تفقد قوات الأندوف العاملة في منطقة فض الاشتباك في القنيطرة، مع ما تمثله هكذا زيارة في هذا التوقيت من أهمية، في وقت تحاول إسرائيل فرض وقائع على الأرض، وقد تجاوزت اعتداءاتها كل الحدود.
وهي تطالب بمنطقة أمنية تمتد حتى جنوب العاصمة دمشق، وتقيم الحواجز والقواعد العسكرية داخل الأراضي السورية في مخالفة واضحة للقانون الدولي، وتواصل العمل لتفكيك سوريا عبر تشجيع ودعم الدروز في السويداء لتكريس انفصالهم عن الدولة السورية.
وعقب زيارة غوتيريش التاريخية إلى دمشق في 25 تموز 2026، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقابلة مع قناة الجزيرة، جملة من المسائل والقضايا السياسية، وأجاب عن عدد من التساؤلات، واضعاً خارطة عمل الحكومة أمام السوريين.
وأمام الضخ الإعلامي وبث الشائعات حول حتمية دخول سوريا إلى لبنان لنزع سلاح حزب الله، أكد الشرع مجدداً أن سوريا لا تريد الحرب مع أحد، وأنها تنشد السلام والأمن والاستقرار، وأن السياسة السورية تتركز على المحافظة على وحدة سوريا ودعم سلطة الدولة ومركزيتها واحتكارها السلاح وتطبيق القانون، وأن اهتمام الحكومة ينصب على تحقيق الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار وجذب الاستثمار، بخاصة من دول الخليج.
وحول الجولان السوري المحتل والسلام مع إسرائيل، قال الرئيس الشرع إن سوريا تعمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة مجموعة من الدول، مؤكداً في الوقت ذاته أنها تتجنب أي صدام مع إسرائيل ولا مصلحة لها في ذلك، معتبراً أن نجاح الاتفاق الأمني سيمهّد لسلام شامل دون التنازل عن أحقية سوريا في الجولان المحتل.
ولفت الرئيس إلى أن مستقبل العلاقة مع إسرائيل مرتبط بحسن تنفيذ كل مرحلة، مؤكداً دعمه المسار العربي لإقامة دولة فلسطينية.
وحول مستقبل القواعد الروسية في سوريا، رأى الشرع أن سوريا ترتبط بمصالح كبيرة مع روسيا، التي سارعت إلى فتح صفحة جديدة بعد التحرير في 8 كانون الأول 2024، وأكد أن النقاش مع موسكو حول مستقبل قواعدها في سوريا مستمر ولم ينتهِ.
ورغم التطورات الإيجابية التي حصلت على صعيد علاقات سوريا مع الولايات المتحدة وتركيا، والتي قد يفسرها البعض على أنها جاءت على حساب علاقات سوريا مع روسيا، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن سوريا لا تزال تعمل على تحسين علاقاتها مع روسيا، ولا يزال الجيش العربي السوري يعتمد على السلاح الروسي، وقد زار الرئيس الشرع موسكو مرتين خلال العام والنصف الماضية.
وجاء رفض سوريا لطلبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة للتدخل في لبنان لنزع سلاح حزب الله ليؤكد أن السياسة السورية تنطلق من المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى. وقد أكد الرئيس الشرع أن سوريا لا تعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، وأن أي فوضى في لبنان ستنعكس مباشرة على سوريا، مبيناً أن ما يصيب لبنان يصيب سوريا، وأن دمشق تبحث مع بيروت حلولاً تساعد على إخراج لبنان إلى بر الأمان.
وأضاف أن الدولة السورية تحاول تمكين نظيرتها اللبنانية من الإيفاء بالتزاماتها، وتدعم تنفيذ اتفاق الطائف باعتباره وثيقة شاملة للبنان، مجدداً تأكيده على عدم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، بل تقديم ما يساعده على معالجة التحديات.
وعن العقوبات الأمريكية، أفاد الرئيس الشرع بأن المملكة العربية السعودية وتركيا توسطتا العام الماضي لرفع العقوبات عن سوريا، مستدركاً بالإشارة إلى أن رفعها لن يكون ذا جدوى دون شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وتطرق الشرع إلى موقع سوريا، مبيناً أنها بلد مهم يتمتع بموقع استراتيجي جعلها محط اهتمام العالم عبر التاريخ، في الوقت الذي أدت سياسات النظام البائد إلى عزلها عن محيطها والعالم.
وفيما تزايدت التساؤلات حول أهداف الإدارة الأمريكية من تكثيف اتصالاتها مع لبنان وسوريا والعراق، بينما الحرب لا تزال مشتعلة في الخليج، وبعد زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن، ثم زيارة رئيس وزراء العراق علي الزيدي البيت الأبيض أيضاً، برزت أسئلة حول أسباب اهتمام واشنطن بتحسين العلاقات الثلاثية اللبنانية العراقية السورية، وتبادل المسؤولين في هذه البلدان الزيارات والاتصالات المكثفة منذ بدء الحرب الأمريكية الإيرانية.
وفي هذا المجال، أشار الرئيس الشرع إلى اتخاذ تدابير لمواجهة أي تهديد محتمل من الفصائل المسلحة على الحدود مع العراق.
كما وصف العلاقات مع بغداد بالعلاقات التي تشهد تحسناً مستمراً، معتبراً أن السياسة الخارجية السورية تقوم على المصداقية بما يعزز الثقة مع جميع الأطراف، وأن عقلية الانتقام لا تبني الدول.
وحول العلاقة مع الخليج، أكد الشرع أن الاستثمارات الخليجية التي تتركز في قطاعات الطاقة، والمطارات، والعقارات، وبناء المدن، بدأت العمل على الأرض، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها.
وأكد الرئيس الشرع أن الدولة بدأت منذ اللحظة الأولى لتحرير سوريا بناء مؤسساتها، لكنها غير قادرة على حل جميع المشكلات دفعة واحدة، لأن إصلاح مؤسسات الدولة يحتاج إلى وقت.
وحول الملفات الداخلية كملف المفقودين والمفاوضات مع «قسد»، أكد الشرع أن الدولة شكلت هيئة لإدارة ملف المفقودين وفق معايير دولية وبالتعاون مع دول ذات خبرة، لافتاً إلى أنها تعمل وفق الأنظمة والقوانين للوصول إلى العدالة.
وفيما لا يزال القلق يساور السوريين جراء استمرار أعمال الخطف والقتل، مع تواصل الحملات الأمنية التي يقوم بها الجيش وقوات الأمن لاعتقال الخارجين عن القانون والمطلوبين، بالتوازي مع استمرار المحاكمات ومسار العدالة الانتقالية، رغم ما يشوب هذا الملف من تعقيدات وما يطرحه من أسئلة عند السوريين.
وفي ختام مقابلته مع الجزيرة، قال الشرع حول المفاوضات مع «قسد» إن «قسد» تنظيم وُجد في ظروف معينة وكان يحمل السلاح، وليس له ارتباط بالمكون الكردي، مؤكداً أن المسار الذي سلكته سوريا خلال السنة والنصف الماضية بدأ يحقق نتائجه.
ومع عودة سوريا إلى المجتمع الدولي واتساع العلاقات السورية مع الأمم المتحدة بعد 8 كانون الأول 2024، وازدياد الاهتمام الدولي والإقليمي بالوضع في سوريا، كانت إسرائيل تعمل في الجهة المقابلة على تقسيم سوريا وإضعافها من خلال الاستيلاء على أرضها وخرق اتفاق الهدنة لعام 1974، وتغذية أطماعها بعد أن احتلت مرصد جبل الشيخ من الجهة السورية، ثم راحت تتمدد داخل الأراضي السورية بحجة المحافظة على الأمن القومي الإسرائيلي.
كما أقامت عشر نقاط مراقبة ومواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، متجاهلة قوات الأندوف الدولية التي كان من المقرر أن يتفقدها غوتيريش خلال زيارته إلى سوريا، غير أن الصدمة كانت بمغادرته دمشق دون زيارة الأندوف.
وخلال مؤتمر صحفي في قصر تشرين، أكد وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني أن الاستقرار الإقليمي سيبقى مستحيلاً في ظل الانتهاكات الإسرائيلية واستمرار احتلال الأراضي السورية، مطالباً بانسحاب كامل وتطبيق قرار فض الاشتباك.
وقال الشيباني إن سوريا دخلت مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار، مشيراً إلى عودة 3 ملايين ونصف المليون من المهجرين إلى قراهم بعد التحرير.
من جهته، وصف غوتيريش ما يحدث في الجولان بأنه «غير مقبول نهائياً»، مؤكداً أن الجولان أرض سورية، وأن الأمم المتحدة تدعم سلامة الأراضي السورية واستقلالها وسيادتها، كما تدعم الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية.
وتبقى زيارة غوتيريش إلى دمشق زيارة مهمة، وإن كانت الصدمة كبيرة بسبب عدم زيارته الجولان ولتفقد الأندوف، لأن ذلك كان سيرسل رسالة إلى إسرائيل أقوى من كل التصريحات والبيانات المنددة بجرائمها. غير أن غوتيريش غادر دمشق للقاء وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي تلعب بلاده دوراً مهماً على الساحة السورية، وذلك لتخفيف حدة التوترات وصراع النفوذ والتنافس بين إسرائيل وتركيا.
وفي النهاية، ما لسوريا لسوريا كما قال غوتيريش، والجولان سوري، لا لإسرائيل ولا لتركيا، والتنافس الحاد على الساحة السورية بين القوى الإقليمية والدولية لن يكون بلا ثمن، ومن يلعب بالنار يحرق أصابعه.
يحيى كوسا

