
في توقيت دقيق وخطير، صباح التاسع والعشرين من تموز، وفي خضم الصراع الأمريكي الإيراني، وبينما كانت الرياض تستعد لاستقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، جاء الاعتداء الأمريكي السعودي على قوات الحشد الشعبي العراقي في محافظات بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى ليخلط الأوراق ويزيد الوضع تعقيداً.
وأدى الهجوم إلى مقتل 20 وإصابة 32 من عناصر الحشد، في حصيلة غير نهائية، ليكشف العدوان رغبة ترامب في توسيع الحرب وتبرير إطالتها، وتحويل أرض الرافدين إلى مسرح لتصفية الحسابات وتبادل الأدوار بين حربين: الحرب الأمريكية العراقية بالأمس، والحرب الأمريكية الإيرانية اليوم، بينما تسعى واشنطن للزج بالرياض في أتون الحرب لحماية مصالحها والمحافظة على أمن إسرائيل.
إنها رسالة تكتبها الطائرات الأمريكية على المدن العراقية بالدم والنار، بالاشتراك مع الجار السعودي، لإبقاء الخليج والعراق تحت الهيمنة الأمريكية.
والهجوم الأمريكي السعودي هو الأول من نوعه منذ عام 1991، وجاء بذريعة الرد على الهجمات العراقية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت نفطية سعودية، علماً أن الحشد الشعبي نفى بشكل قاطع قيامه بقصف السعودية.
وطالب الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، بعد اجتماع مجلس الأمن القومي العراقي برئاسة علي الزيدي رئيس الوزراء، بدائل بشأن انطلاق الاعتداءات من العراق، وقال إن الاعتداء الأمريكي السعودي عرقل التحقيق بشأن استهداف السعودية.
وأصدرت الحكومة العراقية بيانات متتالية، كانت لهجتها تصالحية قبل العدوان وتشير إلى عمق العلاقات بين الرياض وبغداد، لكنها تحولت إلى بيانات غاضبة بعد العدوان باعتباره تصعيداً خطيراً وغير مبرر.
وحتى لو ثبت أن العراق هو الذي هاجم السعودية، فإن الاعتداء الأمريكي السعودي كان واسعاً وخطيراً وأدى إلى خسائر كبيرة لا تتناسب مع الهجمات المزعومة، عدا عن توريط السعودية بالحرب الأمريكية الإيرانية، خاصة أن القصف استهدف مدينة كربلاء المقدسة وأدى إلى مقتل زوار أبرياء، وهذا يحمل الرياض مسؤولية مضاعفة ويغيّر اتجاه الحرب وأهدافها لتأخذ شكلاً طائفياً لخدمة إسرائيل وأمريكا.
وبعد خمسة أشهر من القتال بين أمريكا وإيران، نجحت الرياض في النأي بنفسها عن الحرب، لكنها وجدت نفسها بين ليلة وضحاها، في التاسع والعشرين من تموز، في جحيم معارك ترامب الخاسرة.
وتشير تقارير موثقة إلى أن أوكرانيا وإسرائيل، بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية التي تمتلك قدرات وقواعد على الساحة العراقية، تعملان معاً لخلق فتنة سنية شيعية على مستوى الشرق الأوسط وتوسيع الحرب وتوريط إدارة ترامب أكثر في الصراع. وبعد التقارير عن اكتشاف قاعدة إسرائيلية في صحراء العراق خلال حرب الأربعين بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، كشف مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي عن إلقاء القبض على مجموعات تعمل لصالح أوكرانيا داخل الأراضي العراقية، وأكد أنها اعترفت بتنفيذ عمليات قصف استهدفت منشآت محلية لإحداث فتنة، كما تم الكشف عن محاولات مماثلة لاتهام حزب الله بتهريب أسلحة من العراق إلى لبنان عبر سوريا. وذلك لخلق فتنة أيضاً بين الطائفة السورية وحزب الله اللبناني، حيث تم الإعلان عن اكتشاف أسلحة وصواريخ ضمن صهريج نفط على الحدود السورية العراقية كان متوجهاً إلى لبنان.
وطبعاً، نفى حزب الله اللبناني هذه الحادثة نفياً قاطعاً، واعتبرها فتنة.
بغداد تدين العدوان وتعلن تأجيل زيارة الزيدي إلى السعودية
ويبدو أن ردود الفعل العراقية على مستوى الحكومة والرئاسة والفصائل جاءت غاضبة، فأصدرت الحكومة بياناً أدانت فيه العدوان الأمريكي السعودي، وأكدت تأجيل زيارة علي الزيدي إلى الرياض دون أن تحدد أي زمن لإتمام الزيارة. ولم يكن حال الحكومة العراقية إلا كحال الرئاسة العراقية التي اعتبرت العدوان انتهاكاً لسيادة العراق، فيما طالبت قوات الحشد الشعبي بالإسراع في تأمين منظومات دفاع جوي لحماية سماء العراق، وتسريع طرد المحتل الأمريكي من العراق.
كما عقد مجلس الأمن الوطني العراقي اجتماعاً برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي وأدان الاعتداء، وأكد البيان أن الحكومة العراقية كانت تحقق لمعالجة ما أثاره الجانبان السعودي والأمريكي بشأن استهداف السعودية، ودعا المجلس إلى المضي في تنفيذ اتفاق انسحاب التحالف الدولي في أيلول/سبتمبر 2026، واستكمال إجراءات خطة حصر السلاح.
وتبين ردود الفعل العراقية من مختلف الأطراف حجم الصدمة والمفاجأة التي أحدثها الهجوم وتوقيته، وأعلن الإطار التنسيقي، بعد اجتماعه الطارئ، إدانة الاعتداءات الأمريكية السعودية على سيادة العراق. واستغرب الإطار التنسيقي الاعتداء في وقت تتبنى فيه الحكومة سياسة متوازنة قائمة على التعاون مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، واعتبر أن الهجمات التي استهدفت العراق تسهم في تعقيد المشهد وتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.
وبينما دافعت دول الخليج وبررت العدوان، أدانت إيران بشدة الهجمات على العراق، وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن الهجمات الأمريكية السعودية اعتداء واضح على سيادة العراق ووحدة أراضيه وانتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة. ووضعـت الخارجية الإيرانية العدوان في خانة المساعي الأمريكية لتوريط السعودية وتوسيع نطاق الحرب والصراع في المنطقة، وحملت أمريكا وحلفاءها في المنطقة مسؤولية عواقب هذه الجرائم.
وفي ردود الفعل الدولية، قدمت السفارة الروسية في بغداد التعازي والمواساة إلى أبناء الشعب العراقي الصديق، ولا سيما هيئة الحشد الشعبي، وأكدت السفارة أن روسيا تشارك ألم أسر الشهداء والمصابين.
هي ليست المحاولة الأولى لتوسيع الحرب في المنطقة، فقد قامت القوات الأوكرانية بقصف باخرة تجارية إيرانية في بحر قزوين، وأعلنت طهران أنها سترد على هذا التصعيد، رغم إعلان أوكرانيا أن الهجوم لم يكن متعمداً، لكن إيران لم تقبل هذا التبرير.
فالهجوم الأمريكي السعودي المفاجئ والخطير على مواقع الحشد الشعبي العراقي في محافظات البصرة وبغداد والموصل وواسط وكربلاء ضاعف حالة التوتر والاحتقان الطائفي، ليس في العراق فحسب بل في عموم المنطقة، خاصة مع استهداف كربلاء التي كانت تستعد لمناسبة دينية، ما أدى إلى مقتل أبرياء. الأمر الذي نتج عنه انقسام حاد بين دول المنطقة وشعوبها بين مؤيد ومعارض لهذا الهجوم المفاجئ وغير المسبوق، وتسبب بصدمة لدى الشارع العراقي، ذلك لأنه الهجوم الأول من نوعه منذ عام 1991، وأعاد من جديد مآسي الاحتلال الأمريكي الذي أخذ أشكالاً مختلفة بعد غزو العراق 2003، أولاً بذريعة وجود أسلحة دمار شامل، ومن ثم بحجة مكافحة الإرهاب الدولي، لحين ظهور تنظيم داعش الإرهابي، وهو صناعة أمريكية بامتياز، وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإيرانية التي كشفت المستور وأظهرت أن الوجود الأمريكي في الخليج والعراق والمنطقة ليس من أجل محاربة الإرهاب، وإنما من أجل تعميم الفوضى وحماية أمن إسرائيل ومحاربة كل من يقاتل إسرائيل.
ترامب: الضربات بالتنسيق مع حكومة العراق
ومع أن الولايات المتحدة لا تحتاج، بعد مراسم تشييع الخامنئي في العراق، إلى استطلاعات للرأي العام للتعرف على عمق العلاقات بين الإيرانيين والعراقيين وانعكاس هذه العلاقات الشعبية والدينية على الحالة السياسية، التي تفاعلت بشكل كبير مع الضربات الأمريكية السعودية بالمطالبة بطرد قوات الاحتلال الأمريكية من العراق والرد على الضربات وإيجاد الوسائل الكفيلة بحماية سماء العراق، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يدفع لتوسيع الحرب على كل الجبهات مع إيران، حاول امتصاص غضب العراقيين وغضب الحكومة بقوله إن الضربات تمت بالتنسيق مع حكومة علي الزيدي، الذي سارع وأعلن تأجيل زيارته التي كانت مقررة إلى السعودية في 30 تموز الجاري.
وإذا تابعنا المواقع وأماكن الضربات وما أحدثته من قتل وتدمير هائل في المحافظات العراقية الآمنة، بعد أسبوعين من لقاء ترامب مع الزيدي في واشنطن، ندرك طريقة تفكير الإدارة الأمريكية التي فقدت أي إحساس بالمسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية، وبات ترامب التاجر يفاخر بجرائمه، ويستقبل وزير الدفاع السعودي، ويتحدث عن قتل مئات الأشخاص، ويتبجح باغتيال القادة والمسؤولين في العراق وإيران ولبنان واليمن، كما لو أنه يزف للأمريكيين البشرى، وذلك لخدمة مصالح إسرائيل التي فقدت منذ بدء الحرب الأمريكية الإيرانية قبل خمسة أشهر، في 28 شباط، أي إمكانية للردع، وانكشفت أمام الصواريخ الإيرانية، وباتت إسرائيل رهينة تحت كابوس هذه الصواريخ الباليستية.
وهي محاولة أمريكية لزيادة الضغوط على إيران بعد انسداد الأفق أمام المفاوضات حول هرمز والملف النووي، ومحاولة لتوسيع الحرب بعد سلسلة الاجتماعات في واشنطن والمنامة مع الحلفاء ومع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، الذي زار واشنطن غداة الهجوم المشترك على العراق ونقل رسالة من ولي العهد محمد بن سلمان إلى الرئيس ترامب، وذلك بالتزامن مع تصعيد أمريكي ضد إيران بمئات الغارات التي تركزت على الجزر الإيرانية في محيط هرمز وعلى بندر عباس والأهواز وهرمزغان، وأسفرت عن سقوط ضحايا، فيما ردت إيران بقصف قاعدتي السلط والأزرق في الأردن.
وفي نظرة شاملة إلى ردود الفعل الدولية على العدوان على العراق، يتكشف لنا الأطراف الداخلة في النزاع في الشرق الأوسط، سواء أقرت هذه الأطراف بذاتها أم لم تقر. فأوكرانيا والسعودية ودول الخليج، الذين أصدروا بيانات تدعم وتؤيد الضربات الأمريكية السعودية على العراق باعتبارها رداً على المسيّرات التي استهدفت المنشآت النفطية السعودية، يقدمون عذراً أقبح من ذنب. فالعدوان الأمريكي المدمر على المدن العراقية كان بمثابة إعلان حرب، وقد أدى إلى عشرات القتلى والمصابين، وهو لا يتناسب بحال مع الادعاءات حول قصف فصائل في العراق منشآت نفطية سعودية.
وفي ضوء وصول المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، ورفض إيران تقاسم الرسوم في مضيق هرمز مع سلطنة عمان، وزيارة نتنياهو لواشنطن لتحريض ترامب على توسيع الحرب، فإن المنطقة ستبقى في حالة من الغليان إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية النصفية للكونغرس، وإلى ما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي.
وبعد ذلك، فإن ترامب ربما عليه أن يتعلم من جديد فنون الدبلوماسية، وأن يتقبل الخسارة والهزيمة، ليس لأمريكا فحسب بل لكل حلفائها في الشرق الأوسط، لأن الحرب التي قدر ترامب زمنها بأقل من أسبوع وتنتهي كل شيء، مضى عليها خمسة أشهر ولم يتحقق أي هدف، اللهم سوى زيادة الاحتقان بين إيران ودول الخليج العربي، وبخاصة السعودية التي تجاهلت تقاليد الجيرة ومضت مع الإمبراطورية الأمريكية إلى ما يشبه الهاوية أو الانتحار.
يحيى كوسا

