
في حديث خاص عبر شبكة شام نيوز إنفو على أثير إذاعة فيرجن إف ام، قدّم الباحث الأستاذ مصطفى النعيمي تحليلاً شاملاً للكارثة التي لحقت بمحافظتي دير الزور والرقة نتيجة ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات، معتبراً أن الفيضانات كشفت هشاشة البنية التحتية وغياب التنسيق بين الدول المشاطئة، وسط معاناة إنسانية وزراعية غير مسبوقة.
أكد النعيمي أن الأضرار الناجمة عن الفيضانات كانت جسيمة، حيث ارتفع تدفق المياه من 500 متر مكعب في الثانية إلى 2000 متر مكعب دون إخطار الجانب السوري بالوقت اللازم، مما حال دون اتخاذ الاحتياطات المطلوبة. وأشار إلى أن البنية التحتية في دير الزور والرقة كانت أصلاً “متهالكة” بسبب تعاقب سلطات الأمر الواقع عليها وتوقف الخدمات فيها منذ أكثر من 15 عاماً، كما أن المواطنين في هذه المناطق “لم ينعموا حتى بالخدمات” وما زالوا يعانون من أزمة خانقة نتيجة تردي الأوضاع الخدمية.
ولفت النعيمي إلى أن السنوات الماضية شهدت انحسار نهر الفرات نتيجة انخفاض تدفق المياه، مما دفع السكان إلى البناء والاستثمار في المناطق المحاذية لسرير النهر وحتى داخله، مما جعل هذه المناطق “عرضة للمخاطر” دون وجود أي خطة احترازية من السلطات المتعاقبة للتعامل مع مجرى النهر. ورغم ذلك، لم يحمل النعيمي الحكومة السورية الحالية ولا الحكومات السابقة أي مسؤولية، معتبراً أن الأمر يتعلق أصلاً باتفاقيات المياه وغياب التنسيق.
وكشف النعيمي عن أن الإخطار بالفيضان لم يصل إلا قبل 48 ساعة، في وقت كانت السدود التركية قد بلغت طاقتها الاستيعابية 97%، بينما كانت السدود السورية ممتلئة بنسبة 99%، مما جعل استيعاب الكميات الهائلة من المياه أمراً مستحيلاً. وأشار إلى أن الاتفاقيات الناظمة للمياه تنص على إخطار الدول المشاطئة عند بلوغ قدرة تخزين السدود التركية 70%، وهو ما لم يحدث، متسائلاً: “لماذا لم يتم إخبار السلطات السورية عندما تجاوزت السدود نسبة 70% للاستعداد لمواجهة الواقع؟”.
ودعا النعيمي إلى إنشاء لجان تنسيق ثلاثية مشتركة (تركية-سورية-عراقية) تكون لديها خطط عمل للتعاون في مواجهة ارتفاع أو انحسار منسوب المياه وتوزيع الحصص، مشيراً إلى أن غياب هذه اللجان كان سبباً رئيسياً في تفاقم الكارثة. ولفت إلى أن الحكومة السورية تعاملت مع الكارثة عبر وزارة الطوارئ والكوارث ورفع السواتر الترابية، لكن بعض هذه السواتر تضرر بسبب سرعة تدفق المياه، مما يستدعي جهوداً مستمرة.
وشدد النعيمي على أن تركيا تتحمل “المسؤولية بالدرجة الأولى” عن الأسباب التي أدت إلى ارتفاع منسوب المياه، مشيراً إلى أن فتح بوابات السدود بمعدل 2000 متر مكعب في الثانية بدلاً من 500 هو “بحد ذاته كارثة”. وأضاف أن اللجان التنسيقية بين سورية وتركيا والعراق حول المياه “غير موجودة حالياً”، محذراً من موجات فيضان جديدة قد تحدث في أي لحظة بسبب استمرار الهطولات المطرية وارتفاع درجات الحرارة.
وأشار النعيمي إلى أن مشكلة المياه بين تركيا من جهة وسورية والعراق من جهة أخرى تعود إلى تسعينات القرن الماضي، مع إنشاء سد أتاتورك الذي تصل سعته التخزينية إلى 48 مليار متر مكعب، مما أدى إلى تراجع تدفق المياه إلى سورية والعراق من 500 متر مكعب في الثانية إلى 200 متر مكعب، وأثر سلباً على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية. واتهم تركيا باستخدام المياه كورقة سياسية للضغط على سورية، عبر المقايضة بين ورقة حزب العمال الكردستاني مقابل المياه وملء السدود.
واعتبر النعيمي أن تركيا كانت ترفض أي اتفاقيات مع سورية والعراق، وتعتبر أن نهري دجلة والفرات “أنهار تركية”، وهو ما يتعارض مع المفهوم الدولي الذي يحكم قضية المياه ويوزع الحصص على الدول التي تمر بها الأنهار. وأكد أن الظروف الاستثنائية والحروب في سورية والعراق مكّنت تركيا من استثمار ذلك لمصلحتها، داعياً إلى الاستفادة من دروس هذه الكارثة لبناء السدود في الداخل السوري واستئناف عمل اللجان المشتركة.
وفي الملف الإسرائيلي، أكد النعيمي أن إسرائيل لا تأخذ “بأدنى المعايير الأخلاقية في التعاطي مع الأزمات الدولية ولا بالقانون الدولي”، وأنها استغلت الفراغ الذي نشأ في الجنوب بعد سقوط النظام للاستحواذ على مزيد من مصادر المياه التي تغذي المنطقة الجنوبية، وصولاً إلى نبع الريمي. ورغم أن النفوذ الإسرائيلي على هذه المصادر أصبح حقيقة، شدد النعيمي على أن سورية تستطيع، عبر الأطر القانونية المتاحة واتفاقياتها مع القيادة المركزية الأمريكية والمنظومة الدولية، أن تحصل “بشكل متدرج” على حقوقها وتُخرج الجانب الإسرائيلي من الجنوب، محذراً من ضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة لخطورة المشاريع الإسرائيلية.
وختم النعيمي بالتأكيد على أهمية زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى دير الزور ولقائه الأهالي، معتبراً أن “تضافر الجهود بين المواطن والمسؤول هو أولوية اليوم في بناء وطن مستقر”، وأن الحضور الكبير للبحرية السورية ووزارات الدفاع والتنمية الاجتماعية والصحة يعكس تحولاً إيجابياً في التعامل الحكومي مع الأزمات، حيث أصبح المواطن “يتحدث مع الوزير”، وهي ظاهرة جديدة في المجتمع السوري ستنعكس إيجاباً على تظافر الجهود لمواجهة التحديات.

