
الرئيس بوتين يهنئ في اتصال هاتفي ترامب بعيد ميلاده الثمانين ويبحث معه الاتفاق مع إيران والحرب في أوكرانيا …
مهما كان الحكم على نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لجهة المنتصر والمهزوم، فإن هذه الحرب غيرت العالم وأثرت عميقا خلال مئة يوم في السياسة الدولية أكثر من أي حدث آخر. كما أنها فرقت الحلفاء على جانبي الأطلسي ووحدت الخصوم في الشرق الأوسط كتركيا ومصر، وعمقت التحالفات بين الصين وروسيا. وفي نهاية المطاف لم تحل الملف النووي الإيراني، بل بالعكس أدت إلى تعقيد الملف النووي الإيراني، كما جعلت مهمة إسرائيل في مواجهة برنامج إيران الصاروخي أصعب مما كانت قبل الحرب. فقد اكتشفت إيران أن الجغرافيا سلاح فعال في الحروب، وأن من يسيطر على الأرض ينتصر مهما بلغت قوة الخصم … .
وكان واضحا أن دول العالم صغيرها وكبيرها تأثرت بطريقة أو بأخرى بهذه الحرب، ولهذا سارع الجميع للترحيب بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي تم التوصل إليها بشق الأنفس وبعد مخاض عسير. فمن الدول من رحب بالاتفاق لأنه ينهي الحرب، ومنهم من رحب بالاتفاق لأنه يفتح هرمز، ومنهم من رحب بالاتفاق لأنه يفتح آفاق السلام على المنطقة ويعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية والاطمئنان إلى الاقتصاد، ومنهم من رحب بالاتفاق لهذه الأسباب مجتمعة.
ومن الأهمية بمكان أن نلفت إلى موقفين من هذه المواقف الدولية: الأول الموقف الروسي الذي عبر عنه الرئيس فلاديمير بوتين خلال الاتصال مع الرئيس ترامب، حيث قدم التهنئة لترامب بعيد ميلاده الثمانين والتوصل إلى مذكرة التفاهم مع إيران، بالإضافة إلى العلاقات الثنائية والحرب في أوكرانيا حيث أكد بوتين استعداده لاستقبال زيلينسكي في موسكو، فيما دعا ترامب إلى إنهاء الحرب.
أما الموقف الثاني اللافت فكان موقف إسرائيل التي بقيت وحيدة في هذا العالم تندب حظها وتلطم خدها وتصف الاتفاق الأمريكي الإيراني بالكارثة …
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي بقي طوال الأشهر الثلاثة الماضية حاضرا لحظة بلحظة لا يغيب عن وسائل الإعلام الدولية، يصول ويجول ويتقلب في مواقفه بين الحرب والسلام وبين الحقيقة والخيال. ربما يخرج من تجربة الحرب مع إيران أكثر جدية وأكثر فهما لطبيعة الأنظمة العقائدية التي لا تعير اهتماما للصفقات والاتفاقات التي تتعارض مع مبادئها ولو كان على حساب المصالح. فمن هذه الناحية، من مصلحة إيران أسوة بكل الدول العربية إقامة السلام مع إسرائيل، ولكنها لا تفعل، وهذا ما وضعها مع حلفائها في موقع العدو الأول للكيان الصهيوني…
الرئيس ترامب أكد أن الحرب أعادت تشكيل الشرق الأوسط وفق المصلحة الأمريكية. ووصف ترامب نتنياهو الذي أمر بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت لتعطيل الاتفاق بأوصاف نابية، وقال في تصريحات صحفية أنه أفضله وأنه صعب المراس للغاية، وأنه كان عليه أن يكون ممتنا جدا لأمريكا لأنه لو كانت إيران تمتلك سلاحا نوويا لما بقيت إسرائيل موجودة ….
كلمات قالها ترامب لصحيفة نيويورك تايمز عشية الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني لإنهاء الحرب وفك الحصار البحري وفتح مضيق هرمز وإعادة الأرصدة المجمدة إلى إيران …
واعتبر ترامب أن هجمات إسرائيل ضد لبنان كادت أن تعرقل الاتفاق النهائي مع طهران، واعتبر أنه في حال فشل التوصل لاتفاق نووي سنستأنف الهجمات العسكرية أو سأجعل واشنطن حارسة للمنطقة مقابل 20% من إيراداتها.
ومنذ إعلان الرئيس ترامب وقف القصف على إيران في الثامن من نيسان، بدأت بوادر الخلافات بينه وبين حليفه نتنياهو الذي كان يريد أن تواصل الولايات المتحدة الحرب التي استمرت 38 يوما.
وكلما جنح ترامب إلى السلام مع إيران أكثر، كلما اتسعت الهوة بينه وبين نتنياهو، لحين الإعلان عن الاتفاق فكانت لحظة الافتراق بين الحليفين. ومن غير المتوقع أن تعود العلاقات بينهما إلى سابق عهدها، خاصة وأن نتنياهو متهم بالفساد في إسرائيل كما أنه مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وله انتخابات صعبة في تشرين الأول القادم، ولم يحقق أي هدف من أهداف إسرائيل حيث فشلت خطة إسقاط النظام في إيران، وتم تقييد التحركات الإسرائيلية ضد لبنان، كما أبقت إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم بنسبة منخفضة وأبقت على برنامجها الصاروخي الذي بات يشكل رعبا حقيقيا وكابوسا رهيبا على إسرائيل …
ومن يدقق في بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني فإنه سيدرك أن إسرائيل كشفت مكامن ضعفها كمساحة جغرافية تشكل سلاحا لخصومها، حيث أن الاتفاق لم يطلب لها في أي بند من بنوده أية مصلحة، بل على العكس وضع الاتفاق قيودا على تحركاتها العدوانية في لبنان…
واللافت أيضا في الاتفاق الأمريكي الإيراني أن نتنياهو الذي ظل يعمل منذ التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى من أجل استخدام أمريكا لضرب إيران واستطاع جر ترامب إلى هذه الحرب، ولكنه بعد الآن لن يتمكن من إعادة التجربة، وعليه كما قال له ترامب أن يحارب لوحده .. فأمريكا لن تدخل الحرب معه ثانية …
اتفاق تاريخي شاركت باكستان بدبلوماسيتها النشطة والمكثفة واللطيفة في إنجازه، وفي اللحظات الأخيرة كان الحضور القطري لافتا إلى جانب الدول الأربعة: باكستان والسعودية وتركيا ومصر، والتي برزت ككتلة إسلامية عارضت الحرب على إيران وعبرت عن ابتهاجها بالإعلان في كل من واشنطن وطهران وإسلام آباد عن التوصل إلى اتفاق في الخامس عشر من حزيران 2026. أما التوقيع النهائي على مذكرة التفاهم الممهورة في جنيف بتوقيع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، فإنها ستتحول إلى اتفاق ناجز بعد 60 يوما سيكون بديلا عن الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الدول الست الكبرى في العام 2015 قبل أن يلغيه الرئيس ترامب الذي كان يعتقد أن إيران ستكون لقمة سائغة لأمريكا كما كانت فنزويلا. ولكن حساب الحقل الأمريكي لم يطابق حساب البيدر الإيراني. وقد رسمت طهران بالحرب وبالسلام معادلات جديدة، وحافظت بدعم من حلفائها على كرامتها وحقوقها بما يتعارض كليا مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية …

