
في قمة الناتو الـ100 في أنقرة، خُصصت لأوكرانيا حزمة دعم مالية بقيمة 70 مليار يورو، في خطوة يرى فيها التحليل محاولة لإطالة أمد الحرب، بينما تصاعدت الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف عشية القمة.
وبعد الخسائر العسكرية الكبيرة التي لحقت بالقوات الأوكرانية على الجبهات، والهزيمة السياسية والمعنوية التي تعرض لها نظام كييف مع امتلاك الجيش الروسي زمام المبادرة في الميدان وإصرار الكرملين على تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة في دونباس، حاولت كييف التعويض عن هذه الخسائر والهزائم باستهداف المدنيين وتوسيع نطاق الحرب، وتوسل المساعدة والدعم من الناتو والاتحاد الأوروبي، وذلك قبيل وأثناء انعقاد قمة الحلف التي شارك فيها فولوديمير زيلينسكي، والذي التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقاء قصيرا قبيل مغادرته أنقرة.
وردت روسيا عسكريا على الاستفزازات الأوكرانية التي طالت منشآت الطاقة الروسية والبنية التحتية المدنية. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن الهجوم الواسع على المقاطعات الروسية جاء في وقت حساس عشية قمة الناتو الـ100، ووصفت الهجوم على المدن الروسية بأنه عمل إرهابي. وأضافت أن الجيش الروسي صد الهجوم الأوكراني بالمسيرات على المواقع المدنية والطاقة في جنوب غرب البلاد، وأسقط 613 مسيرة من أصل 625، ووجه ضربة صاروخية مركزة إلى كييف وضواحيها ردا على الهجوم الذي استهدف بالمسيرات مقاطعات لينينغراد وبريانسك وبيلغورود وياروسلافل وكالوغا وكورسك وشبه جزيرة القرم.
وفي بيان مماثل، اعتبر الكرملين أن التصعيد يظهر إرهاب النظام في كييف، وأشار إلى أن القوات الأوكرانية زادت من عدد الضربات على الأهداف المدنية الروسية بسبب تدهور الوضع على الجبهة. كما حذرت موسكو من أن الاتحاد الأوروبي يتحول إلى كتلة عسكرية سياسية، وهو ما يفاقم الوضع في الملف الأوكراني.
وعلى صعيد الرد الروسي، بدا واضحا أن التحذيرات الروسية التي سبقت التصعيد الغربي والأوكراني قبيل قمة الناتو كانت جدية، ولذلك جاء الرد الروسي شاملا وحاسما. وذكرت وسائل إعلام أوكرانية أن انفجارات عنيفة هزت كييف ردا على إطلاق مئات المسيرات باتجاه المدن والأراضي الروسية واستهداف شبه جزيرة القرم.
وفي خضم التصعيد الغربي الذي تَبدّى بتخصيص الاتحاد الأوروبي 94 مليار دولار لنظام كييف، وإعلان فنلندا إرسال مرتزقة للقتال ضد روسيا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن نهاية الحرب أصبحت قريبة، وأن الناتو سيجري مباحثات في أنقرة من أجل التوصل إلى اتفاق بين أوكرانيا وروسيا. وأبدى ترامب تفاؤله بإنهاء الحرب، وقال ردا على سؤال حول مسارها: «سنذهب إلى الناتو، وسنناقش القضية، وأعتقد أننا سننجح في ذلك». وأشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي يرغبان في أن تنتهي هذه الحرب.
ورغم أجواء التفاؤل التي أبداها ترامب سياسيا، كان هناك صوت يشكك في المقابل، إذ كُشف عن دور خفي تقوم به الولايات المتحدة ضد روسيا فيما يتعلق بالهجمات الأوكرانية. وكشفت صحيفة «فايننشال تايمز» أن الاستخبارات الأمريكية لا تكتفي بدعم أوكرانيا بالمعلومات، بل تلعب دورا مباشرا في رسم مسارات الطائرات المسيرة التي تضرب العمق الروسي، ومساعدتها على الالتفاف حول أنظمة الدفاع الجوي.
واعترف مسؤولون أوكرانيون أنفسهم بهذا التنسيق العميق، في وقت يبدو فيه أن المفاوضات الثلاثية مجمدة حتى نهاية الصيف على الأقل، رغم الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء.
ويستشف من تصريحات المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، بعد توقف القتال في الشرق الأوسط، أن روسيا تتعرض لهجمات واسعة وأنها تخوض حربا حقيقية مع واشنطن والغرب، وليس فقط عملية عسكرية في دونباس ضد نظام كييف. واعتبر بيسكوف أن العملية العسكرية مستمرة «كحرب حقيقية» لأن كييف تحظى بدعم من واشنطن وعواصم أوروبية، مما يجعل من أي تفاوض جدي أمرا بعيدا المنال.
وكما خص الناتو أوكرانيا بمساحة كبيرة من مناقشاته واهتماماته وقراراته على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية خلال القمم السابقة منذ اندلاع الحرب في 24 شباط 2022، فإنه في قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 تموز 2026، ورغم سخونة الوضع في الشرق الأوسط، عبر الحلف عن أحقاد دفينة ضد روسيا وبقي منحازا إلى جانب نظام كييف. ورغم كل المشكلات التي تعصف بالحلف جراء الخلافات الأمريكية مع أوروبا، حرصت قمة أنقرة على إزالة وتغييب الموقف التركي الذي تماهى كليا مع توجهات الناتو، ولم تعكس قرارات القمة أي تغيير حقيقي تجاه روسيا. وربما حاول الغرب إظهار تركيا، وهي ثاني أكبر دولة بعد الولايات المتحدة في الناتو، ملحقة بالحلف لا تأثير لها على قراراته، علما أن أنقرة تلعب دور الوسيط في بعض الأحيان، وقد وقعت روسيا وأوكرانيا بوساطة تركية اتفاقية الحبوب عام 2022، ولا تزال هذه الاتفاقية سارية المفعول حتى اليوم.
واستبق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انعقاد قمة الناتو في أنقرة، وأجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب استمر ساعة ونصف ساعة. وقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن بوتين قدم التهنئة لترامب والشعب الأمريكي بمناسبة يوم استقلال الولايات المتحدة.
وخلال الاتصال، عرض بوتين على ترامب الصورة الحقيقية لساحة المعركة بشأن أوكرانيا، وشدد على تفضيله الحل السياسي والدبلوماسي في أوكرانيا، ولكن مع مراعاة المقاربات الروسية المبدئية. وأشار أوشاكوف إلى أن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترامب، سيواصلان جهود الوساطة من أجل تسوية الأزمة في أوكرانيا.
وأكد مساعد الرئيس الروسي أن ترامب أشار خلال المكالمة مع بوتين إلى آفاق التعاون بين موسكو وواشنطن، والتي ستتفتح بعد انتهاء الصراع في أوكرانيا.
ومن جانبه، أبدى الرئيس بوتين، الذي تربطه بالقيادة الإيرانية علاقات استراتيجية، استعداده لتقديم مساعدة عملية لتحقيق الاستقرار في الأوضاع في الشرق الأوسط.
وحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الظهور في قمة الناتو في أنقرة بصورة المنتصر في الحرب ضد إيران، وأبدى في سره وعلانيته شماتة بالاتحاد الأوروبي المهزوم في الحرب الأوكرانية أمام روسيا. وسعى ترامب لتكريس هذه الصورة باتجاهين: الأول من خلال مهاجمة الناتو الذي خذله في الحرب مع إيران، والثاني عبر تكثيف اتصالاته مع الرئيس الروسي قبل وبعد القمة، في رسالة مفادها أن العلاقات الروسية الأمريكية تسير على ما يرام في الظاهر، أما في الباطن فيبقى السؤال مفتوحا حول نوايا ترامب.
وستظهر الأيام القادمة حقائق جديدة عن سياسة ترامب، وهل سيوقف الحرب في أوكرانيا حقا كما وعد سابقا خلال حملته الانتخابية، أم أن كلام الانتخابات الأمريكية ستمحوه حقيقة الدولة العميقة في أمريكا، وتفرضه العلاقات الدولية بين بوتين وترامب، رغم أهمية العلاقات الشخصية الوطيدة التي تربط بينهما.
يحيى كوسا

