
اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران على تشكيل 4 لجان، واحدة سياسية وثلاث فنية، لتنفيذ مذكرة التفاهم.
جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سويسرا تفتح باباً لنهاية الحرب، مع الحديث عن إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لتعويض إيران، فيما وصفت باكستان والدوحة الاجتماعات بين فانس وقاليباف بأنها جيدة جداً وناجحة، وأقر ترامب بحق إيران في امتلاك صواريخ للدفاع عن نفسها.
خمسون عاماً من الصراع بين أمريكا وإيران، منذ أزمة الرهائن عام 1979 التي أدت إلى خسارة جيمي كارتر الديمقراطي الانتخابات أمام رونالد ريغان الجمهوري عام 1980، وحتى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على إيران في 28 فبراير 2026 واغتيال المرشد الإيراني علي الخامنئي، ومعه العشرات من القيادات العسكرية والمدنية الإيرانية، واندلاع أزمة مضيق هرمز، وصولاً إلى الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية وقعها الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان في 17 يونيو. وتبع ذلك إطلاق المفاوضات بين نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في سويسرا، بوساطة باكستانية أساسية ومشاركة قطرية فاعلة.
خمسون عاماً من الصراع تنتهي عملياً باتفاق قد يحتاج العالم إلى سنوات لمعرفة الحقائق الدقيقة بشأنه، وهو اتفاق مفتوح على كل الاحتمالات الإيجابية والسلبية. ولا يمكن لمذكرة التفاهم أن تحسم الحرب أو تفرض السلام، نظراً للخصوصية التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالاتفاق، في هذا السياق، خاص بترامب، ولا يمكن أن يكون اتفاقاً دولياً قبل أن يقره مجلس الأمن الدولي، علماً بأن ترامب كان يهدد الوفد المفاوض بالويل والثبور وعدم العودة إلى إيران، وفي الوقت نفسه يقول إن من حق إيران امتلاك صواريخ بالستية للدفاع عن نفسها.
الرئيس ترامب يخلط بين الشيء وضده، ويصر على عقد صفقة مع إيران، وفي الوقت نفسه يصر على أنه انتصر في الحرب، رغم أن الحرب تخدم إسرائيل ولا تخدم أمريكا. وكما خدع نتنياهو ترامب وأجبره على الحرب، فإن تصدي إيران أجبره على وقفها فجأة في 8 أبريل 2026، بعد 38 يوماً من القصف الذي طال منشآت عسكرية ومدنية، وتسبب بأزمة طاقة عالمية وارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة، بالتوازي مع انخفاض شعبيته في الداخل الأمريكي إلى مستويات قياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
في المقابل، كان العالم، باستثناء الدول المشاركة في الحرب، ينظر إلى حرب ترامب بوصفها غير شرعية وغير مبررة، خاصة بعد الجرائم الموصوفة التي ارتكبتها القوات الأمريكية والإسرائيلية، وأبرزها مجزرة ميناب التي راح ضحيتها العشرات من طالبات المدرسة الابتدائية، فضلاً عن تدمير القرى والبلدات في جنوب لبنان وتهجير سكانها.
فالحرب بين أمريكا وإيران لم تكن حرباً عادية، لا في بدايتها ولا في منتصفها ولا في نهايتها، التي آلت إليها بعد توقيع الرئيسين ترامب وبزشكيان مذكرة التفاهم في 17 يونيو، قبل أن تعلن باكستان، الوسيط الأساسي، عن إطلاق المفاوضات الأمريكية الإيرانية بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، ومعه المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ترامب من الجانب الأمريكي، وبين رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في منتجع بورغنستوك في سويسرا، في 21 يونيو.
وبالنظر إلى الحالة الأمريكية الإيرانية، فإن الاجتماع بحد ذاته بين فانس وقاليباف يحمل أهمية كبيرة ودلالات مهمة، بعد أن عضت إيران على جراحها وقبلت الجلوس إلى طاولة التفاوض، بعدما كانت ترفض أي مفاوضات مع أمريكا أو مع من تسميه الشيطان الأكبر.
ويبدو أن الهدف من اللقاء في سويسرا، بوساطة باكستانية وقطرية، ليس التوقيع على اتفاقية عادية أو صفقة تجارية، وإنما وقف الحرب الدامية المدمرة التي تهدد السلم والأمن في الشرق الأوسط برمته، وإبرام اتفاق يرسخ السلام ويمنع وقوع الحرب مرة أخرى.
ولا يحتاج المرء إلى عناء كبير ليتعرف إلى الحقائق الدقيقة لهذه الحرب، فيكفي متابعة تهديدات ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية لنتعرف إلى مقدار الشر والضغينة والكراهية التي يحملها النظام الأمريكي الرأسمالي على الثورة في إيران وحكومتها الإسلامية.
وربما كان الوسيط الباكستاني يفضل أن تدور المفاوضات في إسلام آباد، لأن نتائج المفاوضات ومخرجاتها لن تؤثر في أمريكا وحدها، بل في الأمن والسلام الدوليين أيضاً. لكن دخول القطريين على خط الوساطة الباكستانية أعطى المفاوضات زخماً، وكان يأمل أن يحتفل الوفدان الأمريكي والإيراني بجمال الطبيعة والأجواء الساحرة ويلتقطا الصور التذكارية، لكن هيهات، فالقلوب مليئة بالمآسي والذكريات الأليمة.
وقد حمل رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف معه إلى سويسرا صور شهداء مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان، والتي قصفتها الولايات المتحدة، كما حمل الوفد الإيراني صور القادة الإيرانيين الذين اغتالتهم أمريكا بدم بارد ودون وجه حق، وفي مقدمتهم الإمام علي الخامنئي. وقد رفض الوفد الإيراني مصافحة الوفد الأمريكي أمام الكاميرات.
وهكذا فإن أمريكا التي بدأت الحرب دون أن تستشير أحداً وقتلت الإمام الخامنئي في 28 فبراير راحت تبحث عن صورة انتصار في أي مكان، لكن الوفد الإيراني كان لديه اهتمامات مختلفة، وكان يحمل على كتفيه قضية إيران العادلة، في وقت كان الرئيس ترامب يشوش على المفاوضات ويهدد بأنه إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز فإن الوفد الإيراني لن يعود إلى إيران.
وخلال يومين من المباحثات عقدت الوفود المشاركة من باكستان وقطر وإيران وأمريكا اجتماعات ثنائية وثلاثية، قبل أن تبدأ الجلسة العامة الرباعية، التي حققت نجاحاً كبيراً واستمرت 80 دقيقة، وشكلت اختراقاً دبلوماسياً. وقد أدت المناقشات بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر والوفد الإيراني، برئاسة قاليباف وعراقجي، إلى وقف دائم للنار، وإلى اتفاق راحت معه الصحافة الإسرائيلية تتحدث بأسلوب التورية من فرط هياجها وغضبها، وربما سخريتها من ترامب، إلى حد القول باحتمال زيارة ترامب لإيران.
المفارقة العجيبة أن الملف النووي سيتم تأجيل النقاش فيه إلى ما بعد 60 يوماً، وخلال هذه الفترة ستواصل اللجان الفنية الثلاث التي انبثقت عن اجتماعات سويسرا مناقشة القضايا الخمس، وتترك الملف النووي إلى مرحلة لاحقة. وهذه القضايا تتعلق بتشكيل لجنة ثلاثية أمريكية لبنانية إيرانية لتثبيت إطلاق النار ومنع تجدد الحرب، ولجنة خاصة بمضيق هرمز، بالإضافة إلى معالجة مسألة العقوبات المفروضة على إيران وموضوع الأرصدة الإيرانية المجمدة والحصار البحري، وتشكيل صندوق لإعادة الإعمار والتعويض لإيران عن الأضرار التي لحقت بها بقيمة 300 مليار دولار، حيث ستتم معالجة جميع القضايا والهواجس الإيرانية التي وردت في مذكرات التفاهم المؤلفة من 14 بنداً.
وفي المقابل تتعهد إيران بفتح هرمز وعدم حيازة السلاح النووي، واللافت أيضاً أن الصواريخ الإيرانية البالستية بقيت خارج المداولات، وأقر ترامب على الملأ أن من حق إيران أن يكون لديها صواريخ كغيرها من الدول. مع الإشارة إلى أن الصواريخ والمسيرات وهرمز كانت أسلحة إيران الفتاكة في مواجهة أمريكا وإسرائيل، حيث جعل الحصار البحري الأمريكي وإغلاق مضيق هرمز العالم طوال فترة الحرب، لأكثر من 110 أيام، مشدوداً على حبل بين إيران وأمريكا.
وفور انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية، التي خرج الجميع راضياً منها، وأثنى الوسطاء الباكستانيون والقطريون في بيان مشترك على نتائجها ومخرجاتها باعتبارها أنهت الحرب والدمار، سارعت إيران إلى الاحتفال على طريقتها بما أنجزته، وقامت بنشاط دبلوماسي لافت باتجاه الدول التي وقفت معها وساندتها. فحمل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معه إلى باكستان رسالة وفاء وامتنان للجهود الباكستانية، التي أثمرت بعد أكثر من 100 يوم من الجهود المضنية، بالتعاون مع دول عديدة كبرى مثل الصين وروسيا، ومع دول إقليمية مثل السعودية وقطر ومصر وتركيا، في تحقيق اختراق حقيقي.
ومع أن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الحروب لا تظهر نتائجها إلا بعد أن ينجلي غبار المعارك، فإن إيران، قبل ذلك، وبعد التوقيع على الاتفاق ومشاركة وفدها في مفاوضات بورغنستوك في سويسرا، قامت بحملة اتصالات مكثفة. حيث زار الرئيس بزشكيان إسلام آباد وقدم الشكر لرئيس الوزراء شهباز شريف، في وقت كان قاليباف وعراقجي في مسقط يلتقيان مع سلطان عمان هيثم بن طارق، الذي أعرب عن دعمه وأمنياته لهذه المفاوضات بالتوفيق والنجاح وصولاً إلى تسوية سلمية ونهائية لكافة الملفات العالقة، وفي مقدمتها استئناف وانسياب حركة وسلامة الملاحة عبر مضيق هرمز والملف النووي وغيرها من القضايا والتحديات ذات الصلة.
وفيما سارع فانس وروبيو لطمأنة الرئيس اللبناني جوزاف عون وإطلاعه على المفاوضات بوصفه حليفاً موثوقاً لأمريكا ضد حزب الله في لبنان، حيث ستتم متابعة مخرجات سويسرا عبر تشكيل خلية أمريكية لبنانية إيرانية مشتركة لتثبيت وقف النار في لبنان، فإن مندوب إيران لدى الأمم المتحدة علي بحريني كان يصف المفاوضات بالجيدة جداً ويعلن أنه يجب تنفيذ 5 بنود من مذكرة التفاهم قبل التفاوض بشأن الملف النووي.
وفيما أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن أمريكا أدركت ضرورة التوصل إلى تسوية دبلوماسية مع إيران، لفت سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي إلى أن بلاده كانت على اطلاع على مجريات المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
من جانبه، كشف المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة أن روسيا لعبت دوراً محورياً في إطلاق المفاوضات الإيرانية الأمريكية وإبرام مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن.
أما المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، فقد اعتبر أن واشنطن وطهران وقعتا مذكرة تفاهم وليس اتفاقاً، وأن الوثيقتين تختلفان في المستوى، مشدداً على أن المذكرة تفتح المجال أمام خطوات لاحقة أكثر استقراراً للمنطقة.
إنها حرب ترامب مهما أُطلق عليها من تسميات، ولا يمكن لأحد أن ينسى كيف اقتطع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنفسه 100 يوم وخص إيران بها، مختصراً 50 عاماً من العداء الشديد. لكن في النهاية، فإن إيران، التي يعتقد الكثيرون أنها انتصرت في الحرب بحسب استطلاع إسرائيلي كشف أن أكثر من 90% من الإسرائيليين يعتقدون أن إيران انتصرت، استطاعت أيضاً أن توفي بالتزاماتها وأن تجعل العالم يتعاطف معها، فيما بقيت أمريكا وحيدة مع إسرائيل، المدانة بارتكاب جرائم حرب في غزة ولبنان، تجران أذيال الهزيمة والخيبة.
أقر الاجتماع الرباعي الأمريكي الإيراني الباكستاني القطري بين فانس وقاليباف، بمشاركة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، خارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي في مجمع فندق بورغنستوك الفاخر المطل على بحيرة لوسيرن في سويسرا، في 21 يونيو 2026. وهذا الاجتماع بين الوفدين سيبقى ماثلاً في الأذهان، لكن ما سيبقى عالقاً أكثر وإلى الأبد هو تهديدات ترامب وإعلاناته المتكررة بأنه سيقضي على الحضارة الإيرانية ويدمرها، وأنه سيمنع أعضاء الوفد الإيراني من العودة إلى بلدانهم. لكن الحضارة الإيرانية لا تزال قائمة، والوفد الإيراني عاد إلى طهران، فيما فقدت مزاعم ترامب وتهديداته مع الوقت معناها، وأصبحت مادة للتندر والسخرية، بعد أن سجلت إيران وحلفاؤها انتصاراً عسكرياً وسياسياً، أحد مظاهره تراجع شعبية ترامب في الداخل والخارج، وأحد تجلياته ستكون خسارة الانتخابات القادمة.
يحيى كوسا

