
استبق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قمة روسيا-آسيان الاقتصادية في مدينة قازان الروسية، وقمة مجموعة السبع في باريس، باتصال هاتفي حمل في حد ذاته رسالة سياسية إلى أوروبا، بعد انتهاء الحرب مع إيران.
وخلال الاتصال بين بوتين وترامب، اتفق الرئيسان على تنشيط الوساطة الأمريكية التي يقوم بها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترامب، لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وهنأ الرئيس بوتين نظيره الأمريكي على التوقيع على الاتفاق الأمريكي الإيراني لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وأكدا استمرار الحوار.
ورغم استبعاد روسيا عن قمة السبع الكبار، التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وكندا، وتستحوذ على 60% من اقتصاديات العالم، فإن روسيا كانت الحاضر الأكبر في قمة باريس هذا العام كما في الأعوام السابقة. وقد اعتبر الرئيس ترامب استبعاد روسيا منذ عام 2014 ضربا من الغباء، وسخر من قادة الغرب الذين يخصصون روسيا باجتماعاتهم وقتا طويلا ولا يتحدثون إلا عنها على حساب مشاكلهم، داعيا أوروبا إلى الحوار مع الرئيس بوتين بدلا من المقاطعة وإظهار العداء.
كما أثنى ترامب على دور الرئيسين الصيني والروسي لأنهما بقيا على الحياد خلال الحرب مع إيران.
ورغم أن روسيا الاتحادية تعتبر عمليا أكبر دولة أوروبية، فإنها لا تزال تقرع أبواب آسيا بقوة، وتجري تحالفات اقتصادية وسياسية وأمنية لا تنفصم عراها مع الصين وإيران والهند ودول جنوب شرق آسيا، لمواجهة التحديات الناجمة عن الضغوط والحصار والعقوبات الغربية التي تفرضها مجموعة السبع، وبخاصة بريطانيا وألمانيا، اللتين تعارضان الحوار مع روسيا. وهي تسرع الخطى نحو إقامة نظام عالمي جديد يعتمد على المصالح المتبادلة والقانون الدولي، وقد حققت خطوات متقدمة على هذا المسار الشاق والطويل، رغم أن الاتحاد الأوروبي يثير المشكلات لروسيا، ويسعى إلى ضم أوكرانيا إلى الاتحاد، وإلى جر دول مثل أرمينيا وصربيا، اللتين تربطهما علاقات تاريخية وثيقة مع روسيا، إلى معاداتها.
وفي مواجهة هذه التحديات، حطمت روسيا كل الأغلال والعقوبات والحصار عبر شبكة تحالفات راسخة، أساسها التعاون والمنفعة المتبادلة والدبلوماسية الرفيعة والواقعية التي ينتهجها الرئيس بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، واللذان استطاعا خلال العقدين الماضيين، منذ خطاب بوتين في منتدى ميونخ للأمن عام 2007 في ألمانيا ودعوته إلى إقامة نظام أمني جديد في أوروبا، إقامة علاقات قوية مع دول عديدة في الفضاء الآسيوي الرحب. كما نجحت الدبلوماسية الروسية النشطة في تعرية مقاصد وأهداف الغرب عبر إقامة علاقات ثنائية مع دول العالم المختلفة، وعقد تحالفات اقتصادية وسياسية دولية وإقليمية مهمة مثل بريكس وشنغهاي ورابطة روسيا-آسيان الاقتصادية.
وفي نسختها الخامسة والثلاثين، وفي ظل تعقيدات دولية، أعلنت روسيا، التي تعد منبعاً للطاقة ومصدراً رئيسياً لها، إلى جانب دورها السياسي المتعاظم على الساحة الدولية، في ختام قمة روسيا-آسيان عن خطة عمل شاملة بين روسيا ورابطة آسيان لدول جنوب شرق آسيا، لتنفيذ الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، وذلك للفترة الممتدة من 2026 حتى 2030.
واعتبر الرئيس بوتين، خلال كلمة له في قمة قازان الاقتصادية التي حضرتها ثماني دول من رابطة آسيان، التي تضم 11 دولة آسيوية، أن الشراكة بين روسيا ودول جنوب شرق آسيا ضمانة لاستقرار آسيا. وتم بحث العلاقات السياسية وقضايا الطاقة والأمن والتكنولوجيا والتبادل التجاري بين روسيا ورابطة آسيان، كما عقد الرئيس بوتين على هامش القمة، وعلى مدار يومين، سلسلة اجتماعات ثنائية شملت الرئيس الفلبيني ورئيسي وزراء بروناي وماليزيا.
وشدد الرئيس بوتين على مسألتين مهمتين: الأولى أن العلاقات التي تجمع روسيا بالرابطة تمثل شراكة استراتيجية تسهم بشكل فعال في تعزيز الاستقرار والأمن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أما المسألة الثانية فلها علاقة بمشروع بوتين الكبير وهو إقامة نظام عالمي جديد، إذ أكد في هذا المجال على السعي المشترك نحو إرساء نظام عالمي أكثر عدلا يرتكز على المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
واعتبر بوتين أن عدم فرض أي آراء أو نماذج تنموية على الآخرين هو مصدر القوة الأساسي الذي يجمع روسيا ودول رابطة آسيان.
وكانت ساعات قليلة تفصل بين قمة مجموعة السبع الاقتصادية في باريس، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقمة روسيا-آسيان الاقتصادية السنوية في مدينة قازان في جمهورية تتارستان، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي دعا إلى شراكة استراتيجية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا. وفي كلتا القمتين، كانت روسيا تسجل حضورا لافتا، ذلك لأن قمة مجموعة السبع كما قمة روسيا-آسيان تنطلقان من الرؤية الاقتصادية لتحقيق الاستقرار والأمن في العالم، ولا تستطيع أوروبا أن تتجاهل الدور الروسي المتعاظم في هذا المجال، خاصة بعد الحرب الأمريكية الإيرانية وتجربة مضيق هرمز وحاجة العالم للطاقة الروسية. وكان لافتا أن الرئيس ترامب اختار باريس لكي يوقع عن بعد الاتفاق مع إيران لإنهاء الحرب، كما اختار قمة مجموعة السبع لتوجيه دعوة إلى أوروبا للحوار مع روسيا. فهل من مجيب؟
يحيى كوسا

