
تسرّع الحكومة السورية وتيرة المحاكمات المتعلقة برموز النظام السابق، في محاولة لاحتواء الاحتقان والتظاهرات، فيما أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق لائحة اتهام بحق بدر الدين حسون ووسيم الأسد وعاطف نجيب.
وتعد العدالة الانتقالية في سوريا من أكثر القضايا التي يعلّق عليها السوريون آمالهم لاستعادة الحقوق ومحاسبة المرتكبين والمجرمين من مختلف الأطراف، من دون ازدواجية في المعايير، في ظل وجود مئات الآلاف من الضحايا والمعتقلين والمفقودين. لكن المخاوف تتزايد بسبب غياب مسار واضح لهذه العدالة، وعدم وجود لوائح محددة بأسماء الأشخاص الذين تشملهم المحاكمات.
وتشير المعطيات إلى أن القضية شائكة ومعقدة وتمتد لخمسة عشر عاماً، مع تأكيد رسمي أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن سوريا مصممة على محاسبة المجرمين ومعاقبتهم وإنصاف ذوي الضحايا. ولهذه الغاية، أُنشئت هيئة العدالة الانتقالية، التي نص عليها الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 13 آذار 2025.
ورغم ذلك، لا تزال المحاكمات الجارية تفتقر إلى القوانين والبنية التحتية والإمكانات اللازمة لإنتاج تجربة يمكن الركون إليها وتتمتع بالمصداقية، في ظل تعقيدات المشهد السوري وكثرة الجرائم المرتكبة بحق السوريين من قبل جميع الأطراف. لذلك، يخضع من يتم اعتقاله من المجرمين للمحاكمة، فيما يرى آخرون أن عمليات الاعتقال والمحاكمة تجري بصورة غير متوازنة، بحيث يُحاسَب من يتم توقيفه، بينما يبقى من تعجز الأجهزة عن اعتقاله بعيداً عن المحاسبة.
ويراقب كثيرون في سوريا وخارجها، ولا سيما المنظمات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة، هذه المحاكمات التي تعكس صورة المجتمع السوري وقدرته على تجاوز الأزمة ومحاسبة المرتكبين. ولافت في الأسابيع الماضية تسريع هذه المحاكمات، بعد التظاهرات ذات الطابع الطائفي التي اجتاحت عدداً كبيراً من المناطق للمطالبة بمحاكمة من يسميهم المتظاهرون الشبيحة أو الفلول من زمن نظام بشار الأسد البائد.
وقد حاول بعض المتظاهرين اقتحام أحياء كاملة في دمشق، مثل عش الورور والمزة 86، لكن قوات الأمن السورية تدخلت ومنعت وقوع أي حوادث عنفية أو اشتباكات بين المتظاهرين وأبناء هذه الأحياء. ورغم أن قوات الأمن حالت دون أي احتكاك، فإن الحكومة استجابت لمطالب المتظاهرين وسرّعت المحاكمات، إلى جانب شن حملات اعتقال ضد الخارجين عن القانون، قبيل اجتماع مجلس الشعب الذي يضع في أولى أولوياته البت بصلاحيات ومسارات المحكمة الانتقالية التي شُكّلت بمرسوم، وأشير إليها بوضوح في الإعلان الدستوري.
وكشف المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن الوزارة تحتجز 6000 عسكري برتب مختلفة من عناصر النظام البائد. وتبدو المحاكمات التي بدأت في القاعة الرابعة في محكمة الجنايات بدمشق مخصصة لعدد من الذين ألقي القبض عليهم وعدد من الفارين، إذ جرى تخصيص غرفة في كل عدلية في وزارة العدل في كل محافظة، وأطلق على هذه الغرفة اسم محكمة العدالة الانتقالية، ويمكن لأي شخص من ذوي الضحايا أن يقدم الشكاوى إليها.
واختارت محكمة الجنايات الرابعة، من بين مئات المتهمين، المفتي السابق للجمهورية بدر الدين حسون، وابن عم الرئيس السوري السابق وسيم الأسد، وابن خالته عاطف نجيب، ليكونوا أول المتهمين. ورغم أنهم ليسوا من الصفوف الأولى ولا من أصحاب القرار، فإن لهم رمزية خاصة لدى النظام البائد ولدى أهالي الضحايا، الذين يطالبون بتسريع المحاكمات وتقديمهم إلى القضاء للقصاص منهم ومحاسبتهم.
وفي المقابل، يواجه العديد من الأفراد العاديين المتهمين بالتشبيح في معظم المحافظات أياماً وليالي من القلق والخوف، وسط مطالبات شعبية بطردهم من منازلهم وحاراتهم وتقديمهم إلى العدالة الانتقالية. وشهدت بعض المناطق حوادث انتقامية فردية، منها نبش قبر أحد المتهمين بارتكاب جرائم من أيام النظام البائد في قرية عربين بريف دمشق، بحجة أنه كان يتعامل مع النظام السابق وأنه لا يجوز دفنه في مقبرة تضم ضحايا النظام البائد.
أما الضحايا من أبناء الساحل السوري، فيرى الكاتب أن أحداً لا يذكرهم حتى الآن، رغم وجود عدد كبير من المعتقلين المتهمين بالمشاركة في مجازر الساحل لدى وزارة الداخلية. وينتظر الشارع السوري وضع معايير واضحة للمحاكمات التي يجب أن تطال جميع المجرمين من جميع الأطراف، لتحقيق الهدف منها، وهو العدالة والاستقرار والأمن.
وتنقل وسائل الإعلام السورية مجريات المحاكمات العلنية التي تثير جدلاً واسعاً في طول البلاد وعرضها، إذ بات الناس العاديون قادرين على التعرف إلى مئات الأشخاص الذين كانوا ضد الثورة السورية، وهم اليوم يصولون ويجولون دون أي محاسبة في معظم المناطق والمدن والمحافظات. كما انطلقت حملة تحريضية واسعة بالتوازي مع المحاكمات من أجل التضييق على هؤلاء، لذلك يطالب المتظاهرون باعتقالهم بتهم التعاون مع النظام السابق.
ويأخذ مختصون في العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان على هذه المحاكمات أنها تفتقر إلى المعايير الدولية، إذ لا يوجد قانون ناظم لها، ولم يجتمع مجلس الشعب في سوريا لإقرار قانون المحكمة الانتقالية، التي ما تزال، بالمعنى الدقيق، جزءاً من وزارة العدل السورية، التي تؤدي دوراً أساسياً في هذا المجال. وفي الوقت نفسه، يسود القلق والخوف الشارع السوري من ازدواجية المعايير واحتمال وجود ممارسات تعكس حالات انتقامية خارج القانون.
ومع أن المحاكمات علنية، فإن المحكمة سمحت للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم وأعطتهم الوقت للإجابة عن الأسئلة، والرد على لوائح الاتهام الموجهة إلى المفتي السابق للجمهورية حسون ووسيم الأسد ورئيس فرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب، وتشمل مقاطع فيديو ومواقف والخطب التي كان يلقيها حسون.
وبدأت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في 25 حزيران، أولى جلسات المحاكمة بحضور النائب العام حسان التربة ومنظمات حقوقية محلية ودولية. وتلا رئيس الجلسة القاضي فخر الدين العريان لائحة الاتهام الموجهة لحسون، ومن بينها: استغلال منصبه لمصالحه الشخصية، وإقامة علاقات موسعة خارج إطار العلاقة الرسمية مع رأس النظام المخلوع بشار الأسد، ومع مدير إدارة الاستخبارات العامة علي مملوك، وكبار ضباط الجيش، وزعماء الميليشيات الطائفية التي كانت تقاتل في سوريا، وإلقاء محاضرات أمام عناصر وضباط في جيش النظام البائد حثهم فيها على دعم النظام في مواجهة معارضيه، والإدلاء بتصريحات إعلامية تضمنت تحريضاً على المدنيين في المناطق الثائرة واللاجئين الفارين من بطش النظام، ولا سيما في حلب الشرقية وإدلب، كما تضمنت طلباً من جيش النظام بتدمير هذه المناطق، والتأييد العلني بصفته الرسمية والرمزية كمفتي للجمهورية لضباط وشخصيات متورطة بجرائم حرب، من بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني، إضافة إلى تأييده التدخلين الروسي والإيراني في سوريا، رغم ما ارتكبته تلك القوات والميليشيات من انتهاكات ومجازر بحق السوريين، مما شكل تحريضاً ودعماً معنوياً وسياسياً ودينياً للجرائم التي ارتكبها جيش النظام البائد والميليشيات المساندة له ضد المدنيين، وأسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا.
وأوضح العريان أن الأفعال المنسوبة إلى المتهم تجعله شريكاً أساسياً في التحريض والحث والمساعدة المعنوية وتوفير الشرعية الدينية والسياسية لأفعال نظام الأسد وميليشياته وحلفائه، مع العلم بالسياق العام وبنمط الجرائم المرتكبة التي جرت كهجمات واسعة النطاق وبشكل منهجي، ضمن نزاع مسلح غير دولي واستهداف مناطق مدنية مأهولة، ما يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي لا تسقط بالتقادم أو العفو، استناداً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي والإعلان الدستوري السوري.
واللافت أن التهم الموجهة إلى حسون ووسيم الأسد وعاطف نجيب، مع تأجيل المحاكمة وعدم البت بأي منها، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أن هذه المحاكمات تجري من طرف واحد، أي بحق المتهمين من النظام البائد، في حين لا تزال محاكمة المتهمين الذين اعتقلوا بعد أحداث الساحل والسويداء غير معروفة، وما إذا كانت ستتم ضمن هذه المحكمة الانتقالية أم خارجها، علماً أنه جرى تحديد هوية العشرات ممن ارتكبوا مجازر الساحل في 7 و8 آذار 2025، ومجزرة السويداء في 13 تموز من العام نفسه.
ورغم وجود مراقبين دوليين داخل قاعة محكمة الجنايات الرابعة بدمشق المختصة بالعدالة الانتقالية، والتي بات الجميع يطلق عليها قاعة العدالة الانتقالية، فإن هذه المحاكمات تفتقر إلى الضوابط القانونية ولم يقرها مجلس الشعب السوري، رغم أن الإعلان الدستوري نص على إنشاء هيئة العدالة الانتقالية التي تتولى وزارة العدل في سوريا الإشراف على المحاكمات وإجراؤها، تحقيقاً للعدالة وإنصافاً للضحايا.
ولا شك أن تجربة العدالة الانتقالية ليست معروفة كثيراً، فالحروب التي شهدتها معظم الدول العربية كانت تنتهي دون محاكمات، بينما تبقى تجربة الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا مختلفة كلياً عن التجربة السورية والواقع السوري. ويبدو أن شكل المحاكمات الجارية يشير إلى أنها لا تتعدى محاولة لاحتواء الشارع السوري من خلال هؤلاء الأشخاص الذين لهم رمزية معينة، فيما يبدو أن الصفوف الأولى من النظام السابق، الذين كانوا أصحاب القرار، لن يتم الوصول إليهم بسهولة، وهذا ما بات يعلمه معظم السوريين.
ومن خلال هذه المحاكمات التي انطلقت لرموز النظام البائد، يمكن القول إن التجربة السورية في مسألة العدالة الانتقالية لا تزال محدودة، ولا يمكن معرفة النهايات التي قد تصل إليها، رغم أن المحكمة في ظاهرها لا تختلف عن المحكمة العادية سوى بالمظهر العام والمشاركة الحقوقية الدولية التي تضفي على المحاكمة أبعاداً سياسية، في حين تتيح المحكمة للمتهمين كامل الحرية للدفاع عن أنفسهم.
لكن الحرب في سوريا ربما تحتاج إلى اجتراح نمط جديد من المحاكمات يشارك فيه المجتمع المدني وأهالي الضحايا والقضاء ونقابة المحامين ووزارة العدل، وتكون الهيئة الانتقالية أوسع مما هي عليه الآن، لأن عليها أن تحاكم جميع المرتكبين للجرائم من كل الجهات ومن جميع الأطراف.
ولا بد من الإشارة إلى أن التظاهرات في الشارع السوري، التي يطالب المشاركون فيها بمحاكمة المجرمين، وصلت إلى حد المطالبة بمحاكمة أشخاص لمجرد أنهم لم يكونوا مع الثوار واستمروا خلال الثورة السورية في أعمالهم العادية. وقد استجابت الحكومة وقامت بحملات اعتقال بهدف احتواء غضب أهالي الضحايا وتوق بعضهم إلى الانتقام أكثر من تنفيذ القانون، فيما لا يزال العشرات من أبناء الساحل السوري ينتظرون محاكمة المتورطين بمجازر الساحل، ويتوقعون أن تشمل المحاكمات التي تجريها هيئة العدالة الانتقالية الجميع دون ازدواجية في المعايير.
فأهالي الضحايا من مختلف الأطراف ينتظرون أن تقوم المحكمة بنصرتهم وتقديم المجرمين الذين قتلوا الأطفال والنساء والشيوخ العزل إلى المحاكمة، وألا تبقى العدالة من طرف واحد، بل أن تشمل الجميع. فكل من ارتكب جريمة بحق الشعب السوري يجب أن يدفع الثمن ويعاقب على جريمته، لأن ذلك هو السبيل لإعادة التلاحم والوحدة والمحافظة على وحدة سوريا وأمنها وسيادتها.
يحيى كوسا

