
يعود السوريون مع تشكيل مجلس الشعب الجديد بعد التحرير بالذاكرة إلى مرحلة الاستقلال وما تلاها من أجواء وطنية كانت تسود البلاد، وإلى انتخابات عام 1954 النيابية التي أنتجت أول برلمان سوري منتخب بعد استقلال سورية عن الاحتلال الفرنسي. وكانت تجربة ينظر إليها العالم بإعجاب، ولا سيما العالم العربي الذي كان لا يزال بمعظم دوله يرزح تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني.
وقد أثارت طريقة تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد، الذي ضم لأول مرة مجموعة كبيرة من الأعيان، وهو مصطلح جديد على الحياة السياسية السورية يشير إلى شخصيات عامة تلعب أدواراً اجتماعية بارزة، تساؤلات الشارع السوري حول ما إذا كان هذا المجلس قادراً على تلبية طموحات السوريين في بناء دولة القانون وتنظيم الإدارة والمؤسسات وإصدار التشريعات الجديدة التي تنسجم مع المرحلة وتواكب العصر والتغيرات العميقة في سورية، بما يساهم في خلق بيئة قانونية ملائمة للاستثمار في ظل الاتجاه إلى الخصخصة وإقرار المعاهدات والاتفاقات الدولية التي تخص علاقات سورية الخارجية، بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها وعودة سورية إلى وضعها الطبيعي داخل المجتمع الدولي بعد 15 عاماً من الحرب والحصار والقطيعة.
وإذا كان من المبكر الحكم على المجلس الجديد قبل أن يبدأ عمله، إلا أن ولادة هذا المجلس، وإن جاءت متأخرة بعد أكثر من عام ونصف على التحرير، تعد خطوة إيجابية في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية الصعبة والمعقدة، وفي ظل سجالات حادة وانقسام عمودي وأفقي في المجتمع السوري، بالإضافة إلى التحديات الداخلية والخارجية الأخرى التي رافقت تشكيل المجلس، وكان أبرزها التجاذبات الإقليمية والدولية والوضع الصعب في جنوب البلاد حيث تواصل إسرائيل اعتداءاتها على القنيطرة ودرعا، فيما يتجه أبناء السويداء إلى الانفصال بسبب الشرخ العميق الذي تركته أحداث السويداء في تموز من العام 2025 على المجتمع عامة، وبسبب استمرار الحملات الإعلامية التحريضية بين مختلف الأطراف والمكونات، والتي تهدف إلى تدمير سورية كوطن لكل أبنائها وتحويلها إلى مناطق نفوذ أجنبي.
وفي محاولة لمنع تكريس الانقسام وانفصال السويداء، قام الرئيس أحمد الشرع بتعيين نائبين من كتلته المؤلفة من سبعين شخصاً كممثلين عن المحافظة، بعد أن رفض الشيخ حكمت الهجري المشاركة في الانتخابات وأعلن الانفصال عن حكومة دمشق.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الشعب السوري، المؤلف من 210 أعضاء، جلسته الأولى في 6 تموز 2026، وتتضمن أداء القسم وانتخاب رئيس المجلس وتشكيل اللجنة الخاصة بوضع النظام الداخلي لعمل المجلس.
وحول تشكيل مجلس الشعب بالطريقة التي تمت بها تنفيذاً للإعلان الدستوري الذي صدر عقب انتصار الثورة السورية، فقد خلص البعض إلى أن طريقة تشكيل مجلس الشعب بعد تعيين كتلة الرئيس المؤلفة من 70 عضواً لا تختلف كثيراً عن المجالس السابقة، وهذا ما جعل البعض يخفف من توقعاته، فيما تفاءل آخرون بالمجلس الجديد وقدرته على القيام بمهامه التشريعية ومسؤولياته الجسام لتنظيم الحياة السياسية السورية بعد أن قلبت الثورة الأوضاع رأساً على عقب، وأصبحت سورية أحوج ما تكون إلى قوانين تواكب المرحلة الجديدة وتعيد الحقوق وتواكب عملية العدالة الانتقالية التي أقرها الإعلان الدستوري أيضاً، بما يضمن مستقبل سورية وشعبها ويحافظ على وحدة سورية وسيادتها وكرامتها ويعيد لها دورها في المنطقة والعالم.
ففي خطوة تعزز الاستقرار السياسي في سورية بعد أكثر من عام على التحرير وانتصار الثورة السورية في الثامن من كانون الأول 2024، وفي ظل أوضاع سياسية إقليمية ودولية معقدة، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 143 لعام 2026 الذي يتضمن أسماء السبعين عضواً الذين يشكلون كتلة الرئيس، وذلك بعد أشهر من إعلان اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أسماء الفائزين بانتخابات المجلس البالغ عددهم 140 عضواً.
وأعلن رئيس اللجنة محمد طه الأحمد، في مؤتمر صحفي عقده الأربعاء في الأول من تموز في مقر مجلس الشعب، أسماء الأعضاء الفائزين مع الثلث المكمل الذي قام الرئيس الشرع بتعيينه، وبينهم 55 رجلاً و15 امرأة.
وأوضح الأحمد في كلمته خلال المؤتمر أن الرسالة الأساسية من الثلث المكمل من أعضاء مجلس الشعب هي خلق مزيج بين من بذلوا وضحوا وبين الكفاءات والخبرات الوطنية، إضافة إلى تعزيز تمثيل المرأة التي لعبت دوراً كبيراً في تحقيق النصر وإسقاط النظام البائد.
ورغم الاعتراضات في مناطق خاصة بالمكونات السورية وامتناع قوات سوريا الديمقراطية في شرق سورية عن الاشتراك فعلياً، في مخالفة واضحة لاتفاق 29 كانون الأول مع الحكومة السورية، كما امتنعت مناطق في الساحل السوري والسويداء عن المشاركة، فقد حاول الرئيس تغطية الفجوات والثغرات الحاصلة جراء هذه المواقف، وعيّن ضمن كتلته المتممة للبرلمان السوري 55 رجلاً و15 سيدة، بينهم 47 من أصحاب الكفاءات، بالإضافة إلى 13 معتقلاً سابقاً، وذلك بعد أشهر من إعلان فوز 140 عضواً عن طريق الاقتراع ضمن إجراءات ولجان تفرقت آراء الجمهور حول دستوريتها ومدى مطابقتها للمعايير الوطنية والدولية.
ورغم كل الانتقادات، فإن العبرة بالأفعال وليس بالأقوال، وينتظر السوريون من المجلس الانتقالي الكثير، بوصفه اللبنة الأساسية في البناء الدستوري، ويعول عليه الشعب السوري أن يساهم في ضبط إيقاع الحياة السياسية ويخفف من الاحتقان المجتمعي ويلبي طموحات الثورة السورية والشعب السوري الذي يتوق إلى الأمن بالدرجة الأولى وإلى الاستقرار والسلام.
وجاء إعلان رئيس الجمهورية أحمد الشرع عن أعضاء كتلته السبعين لرفد المؤسسة التشريعية بشخصيات وخبرات وشرائح تحتاج إلى حضور أوسع داخل المجلس.
وتضم قائمة الثلث المكمل لأعضاء مجلس الشعب 55 رجلاً و15 سيدة، منهم 23 من الأعيان و47 من الكفاءات، بينهم 12 من حملة الماجستير و17 من حملة الدكتوراه.
وحدد الإعلان الدستوري، الذي صادق عليه الرئيس الشرع العام الماضي، نظام مجلس الشعب السوري وصلاحياته، ومنها أن عضو البرلمان السوري يتمتع بالحصانة البرلمانية، ومدة ولاية المجلس 30 شهراً قابلة للتجديد. ويؤدي أعضاء مجلس الشعب القسم أمام رئيس الجمهورية، وتكون صيغة القسم: «أقسم بالله العظيم أن أؤدي مهمتي بأمانة وإخلاص».
وينتخب مجلس الشعب في أول اجتماع له رئيساً ونائبين وأميناً للسر، ويكون الانتخاب بالاقتراع السري وبالأغلبية، ويرأس الجلسة الأولى حتى الانتخاب أكبر الأعضاء سناً، ويمارس مجلس الشعب اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة والمصادقة على المعاهدات الدولية وإقرار الموازنة العامة للدولة والعفو العام، وقبول استقالة أحد أعضائه أو رفضها أو رفع الحصانة عنه وفقاً لنظامه الداخلي.
كما تعد مراقبة عمل الحكومة من أهم مهام مجلس الشعب، الذي يعقد جلسات استماع للوزراء، ويتخذ قراراته بالأغلبية.
ويبدو أن دور مجلس الشعب سيكون أمام امتحان صعب، لأن كل مؤسسة من المؤسسات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ستحاول فرض إرادتها، غير أن مجلس الشعب، بما يتمتع به من حصانة وقوة قانونية تشريعية، يعد حجر الأساس في بناء الدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية، وسيكون أمام امتحان حقيقي. فثورة مجالس الشعب السابقة خلال فترة حكم النظام السابق كانت مخيبة للآمال، حيث كان عضو مجلس الشعب يبحث عن إرضاء أعضاء الحكومة بدلاً من محاسبتها على التقصير، فهل ينقلب الوضع ويعود مجلس الشعب كمؤسسة تشريعية بكامل هيبتها ووقارها ودورها في العهد الجديد، ويساهم في صنع مستقبل سورية، ويأخذ دوره في المعادلة السياسية بوصفه عمود الخيمة والركيزة الأساسية في بناء الدولة، والمؤسسة الأهم التي تمثل الشعب وتنصفه وتحافظ على حقوق المواطنين. وهذا ما ينتظره السوريون وقد دفعوا لأجل تحقيقه الأرواح والدماء.
يحيى كوسا

