
شكّلَت جولة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، إلى الجولان السوري المحتل وقمة جبل الشيخ وبلدة حضر، سابقة خطيرة وذروة ما وصلت إليه إسرائيل من استباحة للسيادة السورية، بعد تدمير غزة وجنوب لبنان والحرب مع إيران.
وجاءت تصريحات نتنياهو وكاتس خلال الزيارة إلى المنطقة العازلة جنوبي سورية في سياق رسالة انتخابية إلى الداخل الإسرائيلي، بهدف شد عصب اليمين المتطرف، وفي الوقت نفسه رسالة إلى سورية، حكومةً وشعباً، لزرع الفرقة والشكوك في جدوى الثورة السورية، ومحاولة إرباك من يمسكون زمام المبادرة على الأرض السورية.
وكانت حكومة نتنياهو المتطرفة قد رفضت العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل لعام 1974، واتجهت بدلاً من ذلك إلى تسويق مشروع لتحويل محافظات الجنوب الثلاث: القنيطرة ودرعا والسويداء، إلى منطقة أمنية بحجة حماية الأمن القومي الإسرائيلي. وتمتد هذه المنطقة، كما صرح نتنياهو، من الجولان السوري المحتل حتى مشارف العاصمة دمشق، بذريعة مواجهة النفوذ التركي المتعاظم ومنع وجود قوى إرهابية على حدود إسرائيل، إلى جانب ما وصفه بدعم الدروز في المنطقة، في إشارة إلى زيارة بلدة حضر الدرزية.
ولأن جبل الشيخ، الذي يرتفع 2800 متر عن سطح البحر ويشرف على أربع عواصم عربية هي دمشق وبيروت والقدس وعمان، يحمل رمزية كبيرة في الذاكرة السورية، أراد نتنياهو أن يمنح زخماً لحملته المتعثرة لانتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول القادم. فاختار قمة الجبل الاستراتيجية لإطلاق تصريحات تطمئن ناخبيه من اليمين المتطرف، وتثير في المقابل مخاوف الحكومة السورية الفتية.
وخلال الزيارة، ظهر نتنياهو متبجحاً وبرفقة ضباط ووزراء، مرتدياً سترته الواقية، وقال: «نحن نقف هنا في قمة جبل الشيخ؛ فدمشق هنا، ولبنان هناك، وهضبة الجولان السورية هناك، ونحن نسيطر على المنطقة بأكملها، من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، ومن هناك وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، وهي سيطرة مطلقة لم يسبق لها مثيل»، وفق تعبيره.
وتعهد نتنياهو بعدم السماح «لأي جيش إرهابي بأن يرسخ وجوده على حدود إسرائيل»، معتبراً أن الوصول إلى هذا الوضع أحد «الإنجازات العظيمة» التي حققتها إسرائيل في حروبها، في إشارة إلى الجرائم والاعتداءات التي ترتكبها قوات الاحتلال في غزة وجنوب لبنان وجنوب سورية.
من جانبه، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي الحكومة السورية من جبل الشيخ، قائلاً: «رسالتي إلى الرئيس السوري في دمشق أننا موجودون هنا في جبل الشيخ وفي المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا». وأضاف كاتس، الذي يبعد الموقع نحو 40 كيلومتراً عن دمشق، أن إسرائيل دمرت البنى التحتية للعدو في غزة ولبنان، وتعمل هنا أيضاً لإحباط البنى التحتية للقوى الجهادية، في إشارة إلى الجيش العربي السوري المدعوم من تركيا. وهي ذريعة مكشوفة تستخدمها إسرائيل لاحتلال الجنوب السوري، معلنة أنها لن تسمح بوجود أي جندي سوري داخل المناطق الجنوبية من سورية. كما أشار وزير الدفاع الإسرائيلي إلى المعركة الدائرة بين إسرائيل وتركيا على الساحة السورية، قائلاً: «كما حاربنا إيران، فإننا سنحارب المحور الآخر بقيادة الإخوان المسلمين».
وجاءت زيارة نتنياهو وكاتس الاستفزازية بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور في ريف إدلب، بحجة تواجد قوات تركية بداخله.
وفيما يكتفي المجتمع الدولي بالتفرج على العربدة الإسرائيلية بصمت مريب، دون أن يحرك ساكناً، فإن دولاً عربية أدانت الزيارة ووصفتها بأنها انتهاك سافر للقانون الدولي والسيادة السورية. كما وصفت الحكومة السورية جولة نتنياهو في الجولان السوري المحتل وجبل الشيخ وبلدة حضر الدرزية بأنها غير شرعية، وانتهاك للسيادة السورية، وللاتفاقية الخاصة بفض الاشتباك لعام 1974.
وكان لافتاً، في إطار الرد السوري، تنظيم وقفة دبلوماسية أمام مجلس الأمن الدولي في نيويورك، بمشاركة مندوب سورية إبراهيم علبي وأكثر من 40 من مندوبي الدول العربية والأجنبية، للتنديد بتصريحات نتنياهو. وألقى مندوب سورية الدائم في الأمم المتحدة كلمة عرض خلالها الموقف السوري الغاضب على المستويين الرسمي والشعبي، مشدداً على أن سيادة الدول وسلامة أراضيها تمثلان ركيزة أساسية للنظام الدولي وخط دفاع في مواجهة عدم الاستقرار العالمي.
وأوضح المندوب السوري أن مسؤولين إسرائيليين دخلوا الأراضي السورية في 9 أيلول 2026، وتوجهوا إلى قمة جبل الشيخ، مشيراً إلى أن ذلك جاء بالتزامن مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والتوغلات المتكررة في الأراضي السورية. وأكد علبي وضوح الموقف القانوني من هذه التطورات، استناداً إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وأشار علبي إلى أن سورية حافظت على موقف واضح تجاه التصعيد الإقليمي المتواصل، ونأت بنفسها عنه، كما أكدت مراراً أنها لن تشكل تهديداً لأي من دول الجوار. ورغم اللغة السورية التصالحية التي يستخدمها المسؤولون في مختلف المستويات، والدعوات المستمرة إلى الحوار والسلام، لا يزال الطرف الإسرائيلي يعتبر الجيش السوري «جيشاً إرهابياً»، ويسعى إلى زرع الفتن والخلافات وإشعال المزيد من النيران في المنطقة، بما يخدم مشروع إسرائيل الكبرى، الذي يعتبر نتنياهو نفسه مسؤولاً عن تحقيقه، متجاهلاً التاريخ والجغرافيا والقوانين وكل القيم الإنسانية التي تحكم المنطقة منذ مئات السنين.
وأمام عجز مجلس الأمن بسبب الموقف الأمريكي المنحاز إلى حكومة الاحتلال، جاءت الوقفة الدبلوماسية التضامنية صرخة احتجاج ضد حكومة نتنياهو، وترددت أصداؤها في مختلف الأرجاء، ووصلت إلى مسامع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي زار دمشق في 25 يوليو/تموز 2026، لكنه اختصر زيارته تحت الضغوط التي تعرض لها، ولم يتمكن من زيارة منطقة فصل القوات في الجولان السوري المحتل لتفقد قوات «أندوف» الدولية، كما كان مقرراً، وذلك بسبب تصعيد الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق الجنوب خلال الزيارة.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التمحيص لمعرفة ما وراء الكواليس، فعدم انعقاد مجلس الأمن رغم الاعتداءات الإسرائيلية التي تأخذ منحى تصاعدياً منذ زيارة غوتيريش إلى سورية في نهاية تموز الماضي، وامتناع غوتيريش عن زيارة قوات «أندوف»، هما إشارتان سلبيتان إلى تراجع دور الأمم المتحدة فيما يتعلق بسورية وقضية الجولان السوري المحتل.
وربما كان بيان الخارجية الفرنسية، وسط الصمت الدولي، مجرد رفع عتب لا أكثر عن القارة العجوز، فقد دقت باريس جرس الإنذار ودعت إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي السورية، واعتبرت أن زيارة نتنياهو تشكل انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وجددت فرنسا دعمها الكامل لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف»، التي يجب الحفاظ على أمنها.
ومن سخرية القدر والمفارقات العجيبة أن إسرائيل ترفض التوقيع على اتفاقية سلام أو اتفاق أمني مع سورية في ظل الحكومة الانتقالية الحالية، كما ترفض الانسحاب من الجولان السوري المحتل، رغم أن الاجتماعات الأمنية لم تتوقف بين الحكومة السورية وحكومة نتنياهو منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول 2024، حيث تم عقد عدة لقاءات كان آخرها اجتماع في العاصمة الأردنية عمان بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في 23 أغسطس/آب 2026، وذلك بعد الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في ريف إدلب، والتي تسببت بأزمة وتوترات شديدة بين إسرائيل وتركيا.
وقد عكس المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره التركي هاكان فيدان خلال زيارة الأخير إلى دمشق في 13 سبتمبر/أيلول الجاري، للتحضير لزيارة أردوغان القريبة إلى سورية وحل قسد والوضع في الجنوب، حجم التوترات والخلافات التركية الإسرائيلية، في وقت تواجه فيه الحكومة السورية تحديات داخلية اقتصادية وأمنية جراء ضعف المقدرات والواردات وغلاء الأسعار والوضع الأمني الهش الذي يتقدم ببطء، بسبب الوضع السيئ الذي تراهن إسرائيل عليه من خلال توسيع اعتداءاتها وتوغلات قواتها في الجنوب السوري وسرقة ثروات الجنوب ومياهه وموارده، ودعم انفصال السويداء.
وتنظر إسرائيل إلى استقرار سورية وإعادة بناء جيشها بريبة وخوف وقلق، في حين أعلنت الحكومة السورية أنها ملتزمة بقرارات الشرعية الدولية، وأكدت رغبتها في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.
ولا يمكن لأحد التقليل من خطورة زيارة نتنياهو إلى قمة جبل الشيخ، التي تحمل رمزية في الوجدان السوري، وهي زيارة تضع سورية أمام تحديات خطيرة وغير مسبوقة، ولا يمكن أن تمر مرور الكرام، في وقت يشهد الشارع السوري انقساماً حاداً وتختلط فيه الأوراق. وقد أصبحت الحكومة السورية جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الدولي بعد قطيعة طويلة، وباتت ضمن مجموعة الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة في المنطقة إلى جانب تركيا وإسرائيل، ولكل من هذه الدول المتصارعة والمتحالفة مع أمريكا حساباتها.
ولا ننسى أن الرئيس ترامب خالف القرارات الدولية وجميع دول العالم، وخرق القرارات الأممية، ومنح الجولان السوري المحتل لإسرائيل، وأعطاها الحق باحتلاله دون أي اعتبارات قانونية أو إنسانية أو أخلاقية.
وما يزيد الطين بلة في الجنوب هو الوضع الذي آلت إليه محافظة السويداء، التي أعلنت انفصالها عن حكومة دمشق بدعم من إسرائيل وتحريض من نتنياهو، الذي حاول من خلال زيارته إلى بلدة حضر الدرزية توجيه رسالة عن نيته إعادة توظيف هذه الورقة انتخابياً أولاً، وللضغط على حكومة دمشق ثانياً، بعد تعثر المفاوضات معها بسبب رفض إسرائيل العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ويبقى السؤال: هل يمكن إنهاء صراع مستمر منذ مائة عام بهذه البساطة، عبر اجتماعات منفردة يعقدها توم باراك، مبعوث ترامب، هنا وهناك؟ وهل سيتقاسم الأتراك والإسرائيليون الكعكة السورية، أم أن الخلاف الإسرائيلي التركي سيتسع ويتمدد؟ وربما يخسر نتنياهو انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/تشرين الأول القادم، فتتغير السياسة الإسرائيلية ويعود السلام والاستقرار اللذان تحتاجهما سورية وينشدهما أبناء المنطقة والمجتمع الدولي بأسره.
يحيى كوسا

