
في الخامس من فبراير 2026، وفي مشهد يحمل من الرمزية بقدر ما يحمل من المأساة، انتهت رسمياً معاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، لتطوى بذلك آخر صفحة من صفحات اتفاقيات الحد من التسلح التي جمعت القوتين العظميين لأكثر من نصف قرن. هذا التاريخ لم يكن مجرد نهاية لعقد قانوني، بل كان إعلاناً عن ولادة مرحلة جديدة من الفوضى النووية، حيث دخل العالم -للمرة الأولى منذ أكثر من 60 عاماً- في حقبة بلا قيود قانونية على امتلاك أو تطوير الأسلحة النووية بين القوتين اللتين تمتلكان نحو 90% من الترسانة النووية العالمية. فما الذي أدى إلى هذا الانهيار؟ ومن المسؤول عن دفن آخر ركيزة للاستقرار الاستراتيجي؟ الرواية الغربية تحاول تصوير موسكو كطرف متعنت، لكن الحقيقة، كما تكشفها وقائع السنوات الأخيرة، تضع الإصبع على واشنطن التي سعت بكل وسائلها إلى تقويض هذا الاتفاق، متجاهلة المبادرات الروسية البناءة، ومصرّة على فرض شروط تعجيزية، في محاولة يائسة للحفاظ على تفوقها النووي في وجه نظام عالمي يتجه نحو التعددية. لم تكن معاهدة “نيو ستارت” مجرد اتفاق عابر، بل كانت ثمرة سنوات من المفاوضات المعقدة التي توجت بتوقيع الرئيسين باراك أوباما وديميتري ميدفيديف في 8 أبريل 2010 في براغ. دخلت حيز التنفيذ في 5 فبراير 2011، ومددت لمدة خمس سنوات إضافية في فبراير 2021. بموجب بنودها، التزم كل طرف بتخفيض ترسانته إلى حد أقصى 1550 رأساً حربياً استراتيجياً منتشراً، و700 نظام إطلاق منتشر (بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة). هذه الأرقام، التي مثلت تخفيضاً بنسبة 30% مقارنة بالاتفاقات السابقة، كانت تُعتبر “حجر الزاوية للاستقرار الاستراتيجي الثنائي”، حيث وفرت آلية للتحقق المتبادل وبناء الثقة في واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً وحساسية. لكن هذا الصرح بدأ يتصدع مع تصاعد السياسة العدائية للإدارة الأمريكية تجاه موسكو. ففي فبراير 2023، وبسبب “التدهور الحاد في سياسة واشنطن تجاه روسيا” و”الانحرافات الخطيرة للجانب الأمريكي عن متطلبات المعاهدة”، اضطرت روسيا إلى تعليق مشاركتها في الاتفاق. هذا القرار، الذي وصفته الخارجية الروسية بأنه “إجراء قسري” و”رد حتمي” على “السياسة العدائية الشديدة لإدارة بايدن”، لم يكن انسحاباً، بل كان تجميداً مؤقتاً في ظل ظروف استثنائية. ورغم هذا التعليق، أعلنت موسكو في الوقت نفسه التزامها الطوعي بالحدود الكمية المركزية المنصوص عليها في المعاهدة حتى نهاية دورة حياتها في فبراير 2026. هذا الموقف المسؤول، الذي حاول الحفاظ على جوهر الاتفاق رغم الجمود السياسي، قوبل بصمت أمريكي مطبق ورفض للاستجابة بالمثل. في خطوة وصفتها الأوساط الدبلوماسية بأنها “مبادرة تاريخية”، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين في 22 سبتمبر 2025 استعداد روسيا لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية للاتفاق لمدة عام إضافي بعد انتهائه، بشرط أن تفعل واشنطن الشيء نفسه. هذا العرض، الذي كان يمكن أن يحافظ على الاستقرار النووي ويمنع الفراغ القانوني، قوبل بتصريحات متناقضة من الجانب الأمريكي. ففي 5 أكتوبر 2025، وصف الرئيس دونالد ترامب الاقتراح الروسي بأنه “فكرة جيدة”، لكن أي رد رسمي من واشنطن لم يصل عبر القنوات الثنائية. والأسوأ من ذلك، أنه في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز في 14 يناير 2026، أي قبل أسابيع من انتهاء المعاهدة، قال ترامب ببرود: “إذا انتهت، فانتهت”، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستبرم “اتفاقاً أفضل”. هذا الموقف الأمريكي المتخبط، الذي يتراوح بين الإشادة العلنية والرفض العملي، يكشف عن نية مبيتة لدفن المعاهدة وليس لتجديدها. ما كشفه الرفض الأمريكي بوضوح هو أن واشنطن لم تكن مهتمة حقاً بالحفاظ على الاتفاق، بل كانت تبحث عن ذريعة لتوسيع ترسانتها النووية وإشراك الصين في أي اتفاق مستقبلي. فترامب صرح صراحة بأن أي معاهدة جديدة يجب أن تشمل الصين، التي وصفها بأنها تمتلك أسرع ترسانة نووية نمواً في العالم. هذا المطلب، الذي وصفته السفارة الصينية في واشنطن بأنه “غير معقول ولا واقعي”, كان بمثابة وضع عقبة تعجيزية أمام أي مفاوضات جادة، وكشف عن النية الأمريكية الحقيقية: إلقاء اللوم على الصين كذريعة لعدم الالتزام بأي قيود نووية، مع الاستمرار في تحديث ترسانتها الضخمة.
في هذا السياق، وقف الموقف الروسي كصخرة صلبة في مواجهة هذا التخبط الغربي. فنائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف صرح بوضوح أنه “حتى في غياب المعاهدة، فإن أمننا سيظل مضموناً”. وفي تصريح لاذع، قال إنه لا يوجد شيء ليحل محل المعاهدة، في إشارة إلى أن روسيا لا تحتاج إلى اتفاقيات مع واشنطن لتضمن أمنها، لأنها تعتمد على قدراتها الذاتية. وزير الخارجية سيرغي لافروف أكد أن موسكو ستواصل مراعاة القيود المنصوص عليها في المعاهدة طالما أن واشنطن لا تتجاوزها. هذا الموقف، الذي يجمع بين الحزم والمسؤولية، يثبت مرة أخرى أن روسيا كانت الطرف الأكثر التزاماً بالاستقرار الاستراتيجي، بينما كانت واشنطن هي الطرف الذي سعى إلى تقويضه.
الآن، ومع انتهاء المعاهدة، يدخل العالم مرحلة خطيرة من عدم اليقين النووي. لأول مرة منذ أوائل السبعينيات، لن تكون هناك قيود قانونية ملزمة على القوات النووية الاستراتيجية الأمريكية والروسية. الترسانتان النوويتان اللتان تمثلان نحو 90% من الأسلحة النووية في العالم، ستكونان حرتين في نشر عدد غير محدود من الصواريخ والرؤوس الحربية، مما يخلق المزيد من عدم الاستقرار ويغذي سباقات التسلح. كما أن انهيار المعاهدة قد يحفز دولاً أخرى على السعي للحصول على أسلحة نووية، في مشهد يذكر بأسوأ كوابيس الحرب الباردة. في المحصلة، فإن انتهاء معاهدة “نيو ستارت” ليس مجرد نهاية لاتفاق قانوني، بل هو شهادة على فشل النموذج الغربي في إدارة العلاقات الدولية. واشنطن، التي راهنت على عزل روسيا وتقويض أمنها، تتحمل المسؤولية الكاملة عن دفن آخر ركيزة للاستقرار النووي. روسيا، بثباتها ووضوحها، فعلت كل ما في وسعها للحفاظ على الاتفاق، وقدمت مبادرات بناءة قوبلت بالرفض والتجاهل. والآن، ومع دخول العالم حقبة جديدة من الفوضى النووية، يبقى السؤال المفتوح: هل ستتعلم واشنطن من دروس الماضي قبل فوات الأوان، أم أن سباق التسلح الجديد سيقود البشرية إلى هاوية لا يمكن السيطرة عليها؟ موسكو حذرت، والأدلة تتحدث، والقادم سيكون أكثر خطورة مما نتصور.

