
هيمنت الحرب على إيران وحملة العقوبات الأمريكية الجديدة على الاجتماع الـ25 لمجلس قادة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك، عاصمة قرغيزستان، بمشاركة قادة روسيا والصين وإيران والهند وباكستان. وناقش المشاركون التوسع في المنظمة وضم أعضاء جدد مثل السعودية ومصر وتركيا، إلى جانب إنشاء بنك تنمية لمواجهة التحديات والعقوبات الأمريكية والتخلص منها. ودعت المنظمة في بيانها الختامي، تحت عنوان إعلان بشكيك, إلى وقف الحروب والعقوبات الاقتصادية.
لم تكن الدعوات الروسية التي أخذت ترتفع منذ خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن في 10 فبراير 2007 لإقامة عالم متعدد الأقطاب من فراغ، وإنما كانت دعوات منسقة استندت إلى ركائز اقتصادية وإرشادات سياسية وإصرار على رفض القطبية الأحادية وسياسات الهيمنة الغربية، مع الاستعداد لدفع الثمن الذي يتطلبه هذا التحول الكبير.
ومنظمة شنغهاي للتعاون، التي أنشئت لمحاربة الإرهاب في مدينة شنغهاي الصينية في 15 يونيو 2001، كانت إحدى الأدوات الفاعلة التي تتحول بعد 25 عامًا من إنشائها إلى لاعب اقتصادي بارز للتخلص من العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران وروسيا على وجه الخصوص، وتعمل على رسم سياسات عالمية للتغلب على الهيمنة الأمريكية وإقامة نظام عالمي اقتصادي وسياسي جديد يعتمد العدل والمساواة.
وتبرز أهمية اجتماع شنغهاي في قرغيزستان بحضور رؤساء الصين وروسيا وإيران والهند، ومعهم 26 من قادة أوراسيا، في لحظة أعلن فيها الرئيس ترامب رغبته في خنق إيران اقتصاديًا وشن حملة غير مسبوقة ضدها. غير أن منظمة شنغهاي، بما تمتلكه من قدرات وتاريخ، رفضت سياسة ترامب ولم تنضم إلى مساعي واشنطن لعزل إيران، ما أثار تساؤلات حول فعالية الحملة الأمريكية الجديدة ضد طهران.
وخلال اجتماع بشكيك ناقش المجتمعون، لأول مرة، أفكارًا حول إنشاء بنك تنمية مشترك من أجل الانتقال بالمنظمة، التي تواجه تحديات اقتصادية وسياسية جراء العقوبات على إيران وروسيا، إلى أداء دور بارز في التخلص من الهيمنة الأمريكية والتهديدات الأمريكية والعقوبات الغربية.
وعلى هامش القمة، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سلسلة اجتماعات ولقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ومع صادير جباروف رئيس قرغيزستان الدولة المضيفة. وأكد بوتين أن منظمة شنغهاي للتعاون باتت من أقوى الهياكل الإقليمية في العالم، إذ تضم دولًا تمثل أكثر من نصف سكان الكوكب وتنتج ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، إضافة إلى احتياطيات كبيرة من الموارد الطبيعية وشبكات لوجستية واسعة.
وأوضح، في ختام زيارته إلى قرغيزستان ومشاركته في قمة بيشكيك، أن قرارات المنظمة تتخذ بتوافق الآراء. وعن التوسع المحتمل، قال إن انضمام أعضاء جدد مرهون بقرار الأعضاء الدائمين، ويجب أن يتم من دون تسرع حفاظًا على فعالية المنظمة وتماسكها.
وفي وقت لاحق، أعلن الكرملين أن موسكو لم تتلق من الرئيس الإيراني، خلال مباحثاته مع بوتين، طلبًا للوساطة مع واشنطن، فيما زعمت تقارير إعلامية أن روسيا تساعد إيران سرًا في تطوير صواريخ كروز فرط صوتية، كما رفضت موسكو وبكين الانضمام إلى حملة العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران.
وفي بيانها الختامي، أدانت منظمة شنغهاي الضربات الأمريكية على إيران، وشكل حضور باكستان فرصة للمشاركين للاطلاع على واقع الوساطة الباكستانية، حيث أبدى المجتمعون دعمهم لمواصلة الجهود لإنهاء الحرب والعودة إلى مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.
وأشار البيان الختامي، الذي حمل عنوان بيان بيشكيك, إلى أن الوضع الدولي لا يزال صعبًا بسبب النزاعات والتحديات المختلفة.
ووقع قادة دول المنظمة على 28 وثيقة، تشمل إعلان بيشكيك بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المنظمة.
وخلال اجتماع مجلس رؤساء دول المنظمة، لفت الرئيس بوتين إلى ضرورة دعم الجهود الرامية إلى تحسين أنشطة المنظمة وتعزيز فعالية آليات عملها، وأكد أن حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول منظمة شنغهاي للتعاون تجاوز 400 مليار دولار العام الماضي، واعتبر أن المنظمة هي اليوم فعليًا أكبر تجمع إقليمي.
وشدد الرئيس الروسي، في سياق آخر، على أن دول منظمة شنغهاي للتعاون مطالبة ببذل كل ما في وسعها للقضاء على أي استفزاز قد يؤدي إلى نزاعات مسلحة.
وبموازاة ذلك، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال كلمته في قمة المنظمة، استعداد بلاده للعودة إلى مذكرة التفاهم المبرمة في يونيو الماضي، بشرط التزام الولايات المتحدة ببنودها.
وفيما أعلنت الولايات المتحدة حزمة عقوبات قاسية على إيران وصعدت من عملياتها العسكرية، فقد هيمنت الحرب في الشرق الأوسط على فعاليات اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون، الذي شهد لقاءات ثنائية مهمة، أبرزها اللقاء بين الرئيسين الروسي والصيني، بالإضافة إلى لقاء جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الباكستاني إسحاق دار. وخلال هذه الاجتماعات، بحثت سبل إنهاء الحرب في أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، والتأكيد على أن تطبيق الولايات المتحدة وإيران لمذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في إسلام آباد ما زال الوسيلة الوحيدة للمضي قدمًا لإنهاء الحرب.
وتطرق الرئيسان بوتين وشي جين بينغ إلى الحرب في أوكرانيا، وأكدا متانة العلاقات الثنائية وآفاقها المشرقة في ظل توجيهاتهما الاستراتيجية وجهودهما المشتركة.
وفي ظل تصعيد أمريكي كبير ضد إيران لخنق اقتصادها بعد فشل الخيار العسكري، وتهديد بفرض عقوبات على الدول التي تواصل التعامل التجاري معها، وبخاصة الصين والهند وروسيا التي تخضع لرسوم جمركية أمريكية مشددة، انعقد مجلس قيادة منظمة شنغهاي في بشكيك. وتم طرح الموضوعات على بساط البحث دون مواربة أو كتمان، وجاء البيان الختامي ليؤكد وقوف المنظمة إلى جانب إيران، رغم أن الصين وروسيا تدعوان طهران لفتح مضيق هرمز بالنظر إلى أهميته للملاحة الدولية، إلا أنهما رفضتا دائمًا العقوبات الأمريكية ضد إيران.
وتأمل إيران، التي انضمت إلى شنغهاي في العام 2023، أن تتخطى عبر منظمة شنغهاي ومنظمة بريكس، اللتين تمثلان العنوان الاقتصادي والسياسي للنظام العالمي الجديد وتسيطران على سوق واسعة وموارد متنوعة، جميع الصعوبات والتحديات التي تسببها العقوبات الأمريكية.
وتعد منظمة شنغهاي للتعاون منظمة دولية سياسية واقتصادية وأمنية أوراسية، تأسست عام 2001 في مدينة شنغهاي الصينية على يد قادة 6 دول آسيوية هي الصين، وكازاخستان، وقرغيزستان، وروسيا، وطاجيكستان، وأوزبكستان. وتمثل هذه المنظمة مساحة تقدر بـ27% من مساحة اليابسة في العالم، و60% من أوراسيا.
كما تمثل هذه المنظمة الاقتصادية الإقليمية نحو 40% من سكان العالم و25% من الناتج الإجمالي العالمي، وقد نجحت في تجاوز الكثير من العقبات رغم عدم التجانس بين بعض دولها، مثل الخلاف بين الهند وباكستان، وذلك في سبيل الهدف الأسمى وهو مواجهة التحديات التي يفرضها إصرار واشنطن والناتو على نظام القطبية الأحادية، وفرض العقوبات على إيران وروسيا والرسوم الجمركية المشددة على الصين والهند.
وبات الجميع ينظر إلى منظمة شنغهاي للتعاون، التي تجمع تحت مظلتها العالم الأوراسي الكبير، باعتبارها صرحًا من صروح النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب، وصورة من صور التعاون الاقتصادي والسياسي البناء الذي تنشده جميع الشعوب المحبة للسلام والحوار والدبلوماسية بعيدًا عن الحروب والعقوبات الأحادية الجائرة.
يحيى كوسا

