
في خضم الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا والتوترات بين الصين والولايات المتحدة، عقدت دول بريكس قمتها الـ18 في الهند وأصدرت إعلان نيودلهي الذي أدان العقوبات الأحادية. وأكد رفض بريكس للعقوبات الاقتصادية غير المصرح بها من مجلس الأمن الدولي، داعيًا إلى اعتماد الدبلوماسية والحوار لتجاوز الاستقطاب العالمي وحماية المنشآت الحيوية في ظل الحروب الجارية.
وعززت منظمة بريكس، خلال العقدين الماضيين، حضورها على الساحة الدولية بما تمتلكه دولها الصاعدة من إرادة سياسية وطموح وجرأة، بقيادة روسيا والصين في مواجهة التحديات، لترسخ مكانتها كركيزة أساسية للتعددية القطبية، وتفرض واقعًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا مناسبًا لولادة نظام عالمي جديد. وبعد 18 عامًا على الاجتماع التأسيسي الذي شاركت فيه روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا في يونيو 2009 بمدينة يكاترينبرغ في روسيا، واصلت المنظمة توسيع دورها وتأثيرها.
وجاء اجتماع قادة دول بريكس في 13 ديسمبر 2026 في نيودلهي، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة دول المنظمة الـ11، ومن بينهم الرئيسان الصيني شي جين بينغ والإيراني مسعود بزشكيان، ليرسخ مكانة هذه المنظمة الدولية الصاعدة رغم الضغوط والتباينات بين أعضائها. لكنها، بقراراتها ورفضها للعقوبات والحروب، منحت الأمل مجددًا باقتراب ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، بديلًا عن نظام الهيمنة والأحادية الذي حاولت الولايات المتحدة فرضه بالقوة العسكرية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
ولا شك أن اللقاءات التي جمعت قادة دول بريكس على هامش القمة لا تقل أهمية عن القمة ذاتها، في ضوء تطورات الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا. فقد أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي عشية القمة، تناولت التجارة والطاقة والدفاع. وتُعد موسكو من أبرز الشركاء الاستراتيجيين والموردين العسكريين لنيودلهي.
وهذا هو اللقاء الثالث بين بوتين ومودي خلال عام، بعد أن التقيا خلال زيارة بوتين للهند في ديسمبر 2025، وعلى هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان. وأكد الرئيس بوتين أن حجم التبادل التجاري بين دول بريكس وصل بالفعل إلى 1.2 تريليون دولار، في إشارة إلى مكانة هذه المنظمة الصاعدة التي تعتمد الحوار والدبلوماسية وترفض العقوبات الأحادية ضد إيران وروسيا.
وأكد إعلان نيودلهي الذي أصدره قادة بريكس الجوانب العملية والتنفيذية التي اتخذتها القمة، وقلل من الخطاب السياسي بالنظر إلى موقع الهند المتوازن بين الولايات المتحدة وروسيا، بما يؤكد دور بريكس في العمل من أجل التنمية الشاملة. وأدان قادة بريكس الحروب ورفضوا العقوبات الاقتصادية غير المصرح بها من مجلس الأمن الدولي.
كما أدان إعلان نيودلهي القصف الأمريكي والإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية. وأكدت دول مجموعة بريكس التزامها الراسخ بتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية، مشددة على أهمية الحوار والتشاور والمساعي الدبلوماسية باعتبارها السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات وتعزيز الاستقرار العالمي.
وأكدت دول بريكس أهمية العمل المشترك للحفاظ على انسيابية التجارة العالمية وضمان استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة، في ظل التحديات والاضطرابات المتزايدة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وهكذا، فإن مقارنة بسيطة بين منظمة بريكس الحديثة العهد، بوصفها منظمة دولية صاعدة، وبين منظمة غربية مثل مجموعة السبع الكبار التي تأسست عام 1975، تتيح فهم التحولات الكبرى في العالم، حيث تتراجع أمريكا بعد أن استنفدت مواردها في الحروب التي أشعلتها في معظم دول العالم. كما فشلت سياسة العقوبات الاقتصادية الأحادية على إيران وروسيا، وهذا ما أكدت عليه قمة نيودلهي. وقد أقر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بتراجع حصة الدولار من أصول الاحتياطيات العالمية، مرجعًا ذلك بشكل رئيسي إلى قرارات روسيا والصين.
وبالمقارنة مع مجموعة السبع الكبار التي تضم أوروبا وأمريكا واليابان، فإن بريكس تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم؛ فالناتج القومي لدول بريكس يبلغ 47% من الناتج العالمي، بينما يبلغ إنتاج دول السبع الكبار 29% من الناتج العالمي. أما في الجانب العسكري، فلا مجال للمقارنة بين بريكس ومجموعة السبع، إذ إن المنظمة التي تضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى الدول التي انضمت عام 2024: إيران والسعودية وإندونيسيا والإمارات ومصر وإثيوبيا، تتفوق على السبع الكبار، وهذا ما تظهره الوقائع وتثبته نتائج الحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا وإيران، والحرب في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا.
فالجيش الروسي، بما يمتلكه من قدرات وتجهيزات، يتفوق بما لا يترك فرصة للآخرين للمنافسة، ويمتلك من الأسلحة المتطورة والذخائر ما لا قبل لجيوش أوروبا مجتمعة بمجاراته. فيما تعود الحرب بين أمريكا وإيران بنتائج عكسية بعد الإخفاقات الأمريكية وفشل محاولات فرض الإرادة الأمريكية بالقوة العسكرية وإخضاع إيران كما فعلت ضد فنزويلا. واليوم، تظهر إيران إرادة قتالية عالية أمام الولايات المتحدة التي استنفدت ذخائرها خلال ثلاث جولات من القتال، وخاصة الصواريخ الاعتراضية، فيما أجمعت معظم التحليلات على أن دول منظمة بريكس لديها ذخائر لا تنفد، وهي قادرة على خوض معارك وتزويد الجبهات بمختلف أنواع الأسلحة اللازمة.
وبحسابات بسيطة، يتبين أن روسيا اليوم باتت أقوى دولة في أوروبا، فيما تتجه إيران لتكون القوة العسكرية الأولى في الشرق الأوسط، بينما تتجه الصين لتكون القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم بلا منازع. ويمكن القول إن التفوق الاقتصادي والعسكري لدول بريكس على مجموعة السبع الكبار أصبح حقيقة لا جدال فيها، تثبته الوقائع الميدانية في حربي أوكرانيا والشرق الأوسط.
ولا غرابة في أن تحتل منظمة بريكس، كمنظمة اقتصادية وسياسية، هذه المكانة وهذا الدور لتكون ركيزة أساسية للنظام العالمي الجديد. وقد استخدمت روسيا والصين الفيتو في مجلس الأمن لإسقاط مشروع قرار غربي حول تجديد العقوبات على إيران، في ترجمة مباشرة لقرارات قمة بريكس التي أدانت العقوبات الأحادية. وهذه إشارة إلى قوة المنظمة التي أصبحت تمثل نصف الكرة الأرضية من حيث المساحة وعدد السكان والقوة العسكرية الأولى.
ويمكن القول، في ضوء نتائج قمة بريكس في نيودلهي والفيتو الروسي الصيني المزدوج في مجلس الأمن، إن هذه المنظمة الدولية وصلت إلى مرحلة النضج والرشد، وهي اليوم تلعب دورًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في صياغة نظام عالمي جديد، في ظل تراجع وانقسام القوى والتحالفات العربية وتراجع الاعتماد على الدولار الأمريكي في المبادلات المالية العالمية.
وتشكل قمة نيودلهي لدول بريكس، في الظروف التي انعقدت فيها، بداية العمل الجاد لإزاحة الولايات المتحدة عن عرش العالم، كنتيجة طبيعية لانتصار روسيا في حرب أوكرانيا وتحقيق أهدافها كاملة، وعجز الولايات المتحدة أمام إيران عن تحقيق أي هدف من أهدافها. وكما تراجع دور بريطانيا وفرنسا بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، فإن دور أمريكا في الشرق الأوسط يتراجع بعد حروبها التدميرية ضد أفغانستان والعراق وإيران، وبعد ظهور قوة عالمية كروسيا والصين في أوراسيا، ومنظمات مثل بريكس وشنغهاي، لديها الجرأة والطموح والإرادة السياسية لتحدي الغطرسة ومواجهة شريعة الغاب الأمريكية.
يحيى كوسا

