
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها وتحركاتها العسكرية في الجنوب السوري، وسط أنباء عن إقامة رادار للإنذار المبكر في جبل حوران في السويداء، وتزويد عناصر الحرس الوطني الخارجة عن القانون بأموال وأسلحة إسرائيلية، في محاولة لكسب أصوات الدروز في إسرائيل، فيما يتفاخر بنيامين نتنياهو بتقديم نفسه حامياً لأقاربهم من دروز سوريا، استناداً إلى ما يسمى «عهد الدم».
ويستغل رئيس حكومة الاحتلال الظروف التي تمر بها المنطقة، وحالة الضعف التي تعاني منها سوريا على مختلف الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والأمنية، مستخدماً السويداء ورقة خارجية للهروب من الأزمات الداخلية. كما تسعى حكومته إلى استغلال الدماء السورية التي سالت خلال أحداث السويداء الدامية في تموز 2025 لتبرير التدخل، بحجة حماية أبناء السويداء، وترسيخ الانقسام والطائفية وسياسة الانتقام وتصفية الحسابات التي يؤمن بها نتنياهو وحكومته المتطرفة.
وخلال الأسابيع والأيام الأخيرة، تصاعدت التحركات العسكرية الإسرائيلية المرتبطة بالسويداء، بالتزامن مع تكثيف الاحتلال نشاطه في الجنوب السوري من توغلات وقصف واعتقالات وعمليات خطف طالت عشرات المواطنين، وسط تسريبات وتقارير صحفية حول وجود خطة إسرائيلية لإمداد جماعة الشيخ حكمت الهجري الخارجة عن القانون بالمال والأسلحة، وإقامة قاعدة إسرائيلية للإنذار المبكر ونظام دفاع جوي في جبل العرب، لترسيخ الانفصال وتكريسه. كما تواصل إسرائيل نقل المزيد من الأسلحة إلى عناصر الحرس الوطني المسلحة في السويداء، وظهرت في الأسابيع الأخيرة أسلحة إسرائيلية وأمريكية فردية مع العناصر التابعة للهجري.
وفي خطوة عسكرية إسرائيلية خطيرة، ولها تبعات سلبية على سوريا ووحدتها، قامت مروحيات إسرائيلية بنقل معدات عسكرية وتقنية إلى ريف السويداء، وذلك لإنشاء قاعدة على قمة جبل العرب المعروف بجبل حوران، لأغراض الإنذار المبكر والتجسس والاستطلاع، وفق ما أوردته مصادر إعلامية غير مؤكدة.
وتزامن الحديث عن القاعدة المذكورة مع تصعيد إسرائيلي واسع في محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق، حيث أقدمت قوات الاحتلال على توغلات واسعة وإطلاق نار كثيف في عدد من المناطق لترهيب السكان في مدنهم وقراهم وأراضيهم الزراعية، واعتقلت عشرات المدنيين خلال مئات التوغلات ضمن المنطقة العازلة، وصولاً إلى مناطق في ريف دمشق الغربي.
ومع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026 واحتدام الحملات الانتخابية بين حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحزب «يشار» المعارض بزعامة غادي آيزنكوت، يتسابق الحزبان لاستخدام الوضع في السويداء من أجل كسب أصوات الدروز في إسرائيل والسعي إلى استقطابهم، حيث يصور نتنياهو نفسه مدافعاً وحامياً لأقاربهم من دروز سوريا، استناداً إلى ما يسمى «عهد الدم».
كما ينظر نتنياهو إلى محافظة السويداء باعتبارها ورقة جيوسياسية وأمنية مهمة لحماية الأقلية الدرزية وتبرير التدخل العسكري المباشر في الجنوب السوري. وقد زعم أنه أجرى اتصالاً مع الرئيس السوري أحمد الشرع في 15 تموز 2025، وطالبه بسحب الجيش من السويداء لصالح الانفصاليين الخارجين عن القانون، بعد أن قصف طيران الاحتلال قصر الشعب وهيئة الأركان العامة.
ولا تكتفي حكومة نتنياهو ببث الفتن والانقسامات بين السوريين، بل تشيع أجواء من الخوف والتوتر الشديد عبر الترويج خلال الحملات الانتخابية أن الحكومة السورية تحضر لهجوم على السويداء. وفي المقابل، يجري الترويج بأن قوات الحرس الوطني المسلحة الخارجة عن القانون، والمدعومة إسرائيلياً بالمال والسلاح، تحضر لشن هجوم واسع على العاصمة دمشق.
ولا يمكن فصل الموقف الإسرائيلي في الملف السوري عن الموقف الأمريكي، إذ تتبنى واشنطن تاريخياً الموقف الإسرائيلي ضد سوريا. وفي هذا السياق، يستغل نتنياهو أيضاً علاقاته الخاصة وارتباطاته المشبوهة مع إدارة ترامب لتخريب المنطقة وإقامة إسرائيل الكبرى على أنقاضها، ويتفاخر بإقامة مناطق عازلة في سوريا ولبنان وغزة. في المقابل، تؤدي إدارة ترامب دوراً مزدوجاً وخطيراً؛ فمن جهة تروّج لخلافات مع حكومة الاحتلال، مع أن ترامب قدم دعمه الكامل لنتنياهو في الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، ومن جهة ثانية تدعو إلى التهدئة ومعالجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على مناطق الجنوب السوري بالسياسة، وتمتنع عن ممارسة أي نوع من الضغط على حكومة نتنياهو، وتكتفي بالإشادة بحكومة دمشق واسترضائها لكي تلتزم بعدم الرد.
وفي الواقع، تتجنب الحكومة السورية الرد العسكري، وتتعاطى مع ملف السويداء بالتأكيد على الحوار وانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية لمواصلة مسار المصالحة والحل السلمي برعاية أمريكية، خاصة أن المقاربة التي قدمها بيان عمان بإشراف المبعوث الأمريكي توم باراك، ومشاركة سوريا والأردن، تلقى قبولاً في سوريا، ويمكن أن تشكل قاعدة للحل في السويداء التي قطعت، على ما يبدو بدعم وتشجيع من إسرائيل، خطوات خطيرة باتجاه الانفصال وقطع الارتباط بالوطن الأم منذ أحداث تموز 2025 الدامية، وأصبحت كياناً مستقلاً رغم التزام الحكومة السورية بفتح الطرقات إليها وتقديم المساعدات ورواتب الموظفين والعاملين فيها.
غير أن السويداء أعلنت تشكيل جيش مستقل بألوية وفرق ورايات وشارات ومراسم لأداء القسم، ومراكز تدريب يشرف عليها ضباط دروز إسرائيليون، في الغالب، يقومون بتدريب عناصر الحرس الوطني الخارجة عن القانون وتزويدهم بالمال والأسلحة. كما أن آلاف الطلاب في المحافظة لم يتقدموا، للعام الثاني على التوالي، لامتحانات الشهادات الإعدادية والثانوية والكليات الطبية والجامعية بمختلف أنواعها، الأمر الذي ضاعف التوترات والاحتقان المجتمعي، ونقل الأزمة، من خلال التدخل الإسرائيلي، إلى مستوى أزمة وطنية مزدوجة؛ فمن جهة فشلت كل محاولات المصالحة والحوار والمبادرات التي قدمتها الحكومة لاحتواء جماعة الهجري الخارجة عن القانون، والتي تعتبر أن حكومة دمشق غير شرعية ومتطرفة وتحملها المسؤولية عن المجازر التي وقعت في السويداء. ومن جهة ثانية، تستغل إسرائيل الوضع للتدخل واحتلال المزيد من الأراضي السورية، وصولاً إلى نصب رادار ومنظومة دفاع جوي إسرائيلية في السويداء، وفق مصادر غير مؤكدة.
وسط هذه الأجواء المتوترة والمليئة بالخوف والترقب والاحتقان، يرى البعض أن الشيخ الهجري تخطى الحدود في الارتهان لإسرائيل، وقد أدانت الهيئة الدينية في الجولان السوري المحتل تصريحاته التي زعم فيها أن الدروز تجمعهم مع إسرائيل هوية توحيدية وإبراهيمية مشتركة وقيم إنسانية راسخة. وشددت الهيئة في بيان على أن الموحدين الدروز، على مر تاريخهم، كانوا جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية، ولا يمكن سلخهم عن تاريخهم وجذورهم الإسلامية.
وهي سياسة تقلق الحكومة السورية والشارع السوري، خاصة بعد اعتراف واشنطن بضم الجولان إلى إسرائيل، وازدياد المخاوف من سلخ السويداء عن الوطن الأم. وتؤكد الحكومة والشعب التنازل عن شبر واحد من الجولان المحتل، أو التراجع عن الحقوق الاستراتيجية السورية، فيما تؤكد الدبلوماسية السورية بوضوح أن بوصلتها موجهة نحو السلام والتهدئة وتغليب الحلول السياسية، بعيداً عن مغامرات تفجير المنطقة.
كما تؤكد رفضها القاطع لزج أبناء السويداء في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، لأنهم جزء أصيل من النسيج الوطني السوري. وربما لا تقوم إسرائيل بعمليات واسعة في سوريا، لكنها تسعى إلى إبقاء الوضع فيها غير مستقر وفي حالة من الضعف عبر عرقلة مسار النهوض والتعافي وقصف مراكز القوة، واستخدام السويداء كورقة ضغط لفرض الشروط الإسرائيلية في أي مفاوضات قادمة. ويبقى الرهان على أبناء السويداء في هذه اللحظة التاريخية، والتعويل عليهم لمقاومة مشروع نتنياهو التوسعي ورفض التقسيم ومحاولات تهويد السويداء.
يحيى كوسا

