
فاجأت زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق، والعمليات العسكرية التي تعرضت لها محافظة درعا، الشارع السوري الذي يواجه حملات تحريض إعلامية ممنهجة لتكريس الانقسامات ونشر الفوضى. لكن الحدثين أعادا ترتيب الأولويات لدى الحكومة السورية والشعب السوري.
ففي مقابل فتح الأبواب على بغداد، وفتح شريان كركوك-بانياس لبدء ضخ النفط العراقي إلى الأسواق العالمية، اتسعت المخاوف بين أبناء الجنوب السوري بسبب الشكوك التي أحاطت بالرواية الأردنية حول مبررات القصف على درعا، والذي جاء ليعمق الجرح الذي تسببه الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، تحت عنوان محاربة داعش والانتقام لضحايا الهجوم الإرهابي على كنيسة الكرك في الأردن.
لكن زيارة الزيدي المفاجئة إلى دمشق، وتوقيتها والملفات التي تناولتها، لفتت أنظار الشارع السوري عن أحداث الجنوب الخطيرة، حيث تركزت المباحثات السورية العراقية بين الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في دمشق حول ملفات مهمة، أبرزها الحدود وتشغيل خط كركوك-بانياس لتصدير النفط العراقي، والتحضير لمؤتمر اقتصادي سوري عراقي مشترك يجمع المستثمرين والشركات لبحث مشاريع الطاقة والزراعة والتجارة.
وفيما تواجه سوريا تحديات داخلية أمنية واقتصادية واعتداءات إسرائيلية، فقد اختارت دمشق طريق الحوار والدبلوماسية والتقارب مع دول الجوار بدلا من القطيعة والخصومة والتباعد. وجاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 لتبدد الكثير من الأوهام بين الشعبين السوري والعراقي، اللذين يجمعهما شريان الفرات، ولتفتح أبواب التعاون الاقتصادي والتجاري، وتناقش الملفات الأمنية والسياسية في محاولة لتقليص الفجوات والتباعد المزمن بين البلدين، وبناء جسور الثقة لخدمة المصالح المشتركة بين دمشق وبغداد بدلا من المتاريس والخنادق وجبهات القتال التي تخدم المشروع الإسرائيلي في المنطقة.
وكان الشرع قد استبق الزيارة ووجه رسائل إلى العراقيين، دافع فيها عن المرحلة التي أمضاها في العراق، مشيرا إلى أنه لم يشارك في الحرب عام 2006 بين المكونات العراقية، بل كان يقاتل ضد المحتل الأمريكي ولم يؤذ أي عراقي. ووصف الرئيس السوري، في مقابلة مع قناة دجلة العراقية، العراقيين بأنهم أهل الجود والكرم والنخوة، ورحب بزيارة الزيدي الأولى إلى دمشق، ووعد بتأمين كل ما يلزم لتنظيم زيارات العراقيين إلى مقام السيدة زينب في دمشق.
ورغم الحملات التي تشكك في قدرة الحكومة السورية على النهوض وإعادة البناء والإعمار وجذب الاستثمار، جراء الوضع الأمني المعقد في المنطقة، فإن تحالف الحكومتين السورية والعراقية وعلاقتهما الجيدة مع واشنطن يشكل حافزا لتسريع خطوات التقارب بينهما لمواجهة التحديات المشتركة.
وجاءت زيارة الزيدي إلى دمشق بعد أسابيع من الاجتماع الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيويورك، وضم الرئيس السوري ورئيس وزراء العراق وقادة دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ولبنان في 22 سبتمبر/أيلول 2026 على هامش أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتزامن الاجتماع المذكور مع توقيع وفد من وزارة الطاقة السورية ووفد عراقي اتفاقية لتشغيل خط كركوك-بانياس لتصدير النفط العراقي خلال تواجد الوفدين في واشنطن.
وشكلت هذه الاتفاقية، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية، أساس المباحثات السورية العراقية بين الشرع والزيدي في قصر الشعب. وقد جرى التركيز على خط النفط كركوك-بانياس وصيانته وحمايته وتشغيله ليكون منفذا إضافيا لتصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية، إضافة إلى تطوير الممرات البحرية الشمالية والوسطى وعبر منطقة التنف.
كما بحث الجانبان التحضير لمؤتمر اقتصادي سوري عراقي مشترك يجمع المستثمرين والشركات لبحث مشاريع الطاقة والزراعة والتجارة.
وعلى الصعيد الأمني، بحث الشرع والزيدي تعزيز التنسيق على الحدود المشتركة، وتبادل المعلومات لمكافحة الإرهاب والتهريب، والتحضيرات لزيارة وفد أمني عراقي يضم وزير الدفاع إلى سوريا لمتابعة الملفات الأمنية وتطوير آليات التعاون بين الجهات المختصة.
ولم تغب التطورات الإقليمية وسبل حماية البلدين من تداعيات الصراعات والحروب في الخليج، عبر تنسيق المواقف وتغليب الحلول السياسية واحترام سيادة الدول واستقلال قرارها.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي، بعد إتمام مباحثاته مع الشرع وزيارة الجامع الأموي ومقام السيدة زينب برفقة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أن الشعبين العراقي والسوري شعب واحد في بلدين، وأن العمل جار على تطوير الشراكة والتعاون في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التعاون الأمني وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، والعمل لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وأشار الزيدي إلى أنه جرى مناقشة عدد من القضايا، من بينها تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يوميا، وزيادة حجم التبادل التجاري، والعمل المشترك لتطوير القطاع الزراعي لتحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي.
وتأتي هذه الزيارة المثيرة شكلا ومضمونا في توقيت حساس، حيث تعيش المنطقة تحولات كبرى وتواجه تحديات خطيرة، أهمها التغول الإسرائيلي ومحاولات إعادة تعويم داعش، الذي سيطر في حزيران/يونيو 2014 على مناطق واسعة بين العراق وسوريا، وأعلن دولة الخلافة بين الموصل والرقة، قبل أن يتمكن البلدان من دحره والقضاء على دولة الخلافة في عام 2019.
واليوم، يسعى البلدان لبناء خطوط نقل ثابتة تمنح الموقع الجيوسياسي لسوريا أهمية لتكون ممرا لتصدير النفط، وفي المقابل تمنح العراق فرصة لتصدير موارده النفطية والوصول إلى الأسواق العالمية.
وتعد التصريحات التي أدلى بها الشرع في المقابلة التلفزيونية على قناة دجلة العراقية عشية زيارة رئيس وزراء العراق إلى سوريا بمثابة رسالة تطمين وضمان للعراقيين، الذين لا تزال تساورهم الشكوك حول سوريا التي وضعت قضية تعزيز علاقاتها مع دول الجوار على سلم أولوياتها، من أجل خلق مناخات أمنية وسياسية واقتصادية مؤاتية للنهوض وإعادة الإعمار.
وبينما كان الزيدي في دمشق، كان الجنوب السوري يغلي على وقع الغارات التي شنتها طائرات أردنية على محافظة درعا، وقتلت سبعة أشخاص وأصابت العشرات، إلا أن الحكومة السورية اختارت التهدئة والتواصل مع الأردن بدلا من التصعيد، ودعت إلى تشكيل لجنة أمنية مشتركة سورية أردنية لمعالجة كافة القضايا والتنسيق بين البلدين، ودعت إلى المحافظة على زخم العلاقات التي شهدت تطورا بارزا بعد سقوط النظام السابق، حيث التقى الشرع مع الملك عبد الله الثاني في عمان في 26 شباط/فبراير 2025، كما شارك الأردن بعد مجازر السويداء في الجهود المبذولة لحل مشكلة السويداء، واستضاف في 16 أيلول/سبتمبر 2025 اجتماعا ثلاثيا سوريا أردنيا أمريكيا وضع خارطة طريق لمعالجة الأزمة، مع التأكيد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا.
وهكذا تبدو صورة العلاقات السورية الأردنية والسورية العراقية غير واضحة وغامضة، وتتأرجح صعودا وهبوطا بسبب التدخلات الأجنبية والتشكيك في قدرة هذه الدول على صياغة شراكات استراتيجية مستقلة. مع الإشارة إلى أن دمشق تحرص على توسيع التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي مع دول الجوار، وإعادة بناء الثقة لإرساء قواعد متينة للتعاون والتنسيق بين سوريا والعراق والأردن، كأساس للسياسة السورية، ولجم الاعتداءات الإسرائيلية الخطيرة على الجنوب السوري، والحفاظ على سيادة سوريا.
يحيى كوسا

