
غيرت نتائج الانتخابات الأميركية النصفية للكونغرس، التي جرت في 3 نوفمبر 2026، المشهد السياسي في الولايات المتحدة. وأمام فداحة الخسارة التي لحقت بالحزب الجمهوري الحاكم، أقر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس بأن الحرب على إيران كانت السبب في خسارة الانتخابات. وسارع المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى قطف ثمار التحولات الجديدة، وبعث برسالة مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للعمل معًا على وقف الحرب على إيران فورًا.
استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب بفارق كبير لم يتوقعه أحد، ما جعل وسائل الإعلام تتسابق إلى توصيف ما حدث تارة بأنه تسونامي أزرق، وتارة بأنه عاصفة كنسَت الجمهوريين ووجهت ضربة قوية للرئيس الجمهوري دونالد ترامب وسياسته ضد إيران.
وحصل الحزب الديمقراطي على 231 مقعدًا في مجلس النواب مقابل 139 مقعدًا للجمهوريين، كما حصل الجمهوريون على 54 مقعدًا في مجلس الشيوخ المؤلف من 100 عضو. ومن بينهم عبد الرحمن السيد، وهو أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ. كما فاز الديمقراطيون أيضًا بـ24 حاكم ولاية، بينها ولايات تكساس وكانساس وأوهايو، وهي معاقل تاريخية للجمهوريين، مقابل 13 ولاية للحزب الجمهوري، حيث جرت انتخابات حكام الولايات في 35 ولاية من أصل 51.
ولم يكن فوز الجمهوريين متوقعًا، ولكن ليس بهذا الفارق، خاصة وأنه لم يمضِ سوى عامين على اكتساح ترامب وفريقه الجمهوري للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2024. وبعد عامين من حكم ترامب السلس في البيت الأبيض، وفي ظل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، يبدو أن فوز الديمقراطيين الساحق في الانتخابات النصفية سيقيد ترامب وسياسته بشكل كبير تجاه إيران، ويعرقل قراراته بشأن ملفات الهجرة والتعرفة الجمركية خلال العامين القادمين.
وشكلت الحرب على إيران الطامة الكبرى وعقدة المنشار أمام ترامب، إلى جانب الأزمة الاقتصادية التي خلفتها أزمة كوفيد ودعم أميركا لنظام زيلينسكي خلال سنوات الحرب في أوكرانيا قبل مجيء ترامب إلى البيت الأبيض. وكان ترامب وعد ناخبيه بتغيير الواقع وتحسين الوضع الاقتصادي وخفض الأسعار، لكن الذي حصل كان العكس، وتفاقم الوضع ما أدى إلى انتفاضة انتخابية قادها جيل الشباب ضد إدارة ترامب وسياساتها الشعبوية اليمينية.
ولقد غير فوز الديمقراطيين الكاسح في الانتخابات الأميركية النصفية المشهد السياسي في واشنطن، ليبقى 3 نوفمبر 2026 يومًا له طعم المرارة في تاريخ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أن أجبرته فداحة الهزيمة التي لحقت بالحزب الجمهوري الحاكم على الإقرار بأن الحرب على إيران كانت وراء هذه الخسارة، وهو ما أكده أيضًا نائبه جي دي فانس الذي قال إن: حرب إيران تسببت بتغيير نظام الكونغرس في أميركا من جمهوري إلى ديمقراطي.
وفي محاولة لتخفيف الخسارة والعودة إلى المسار الصحيح والخروج من المستنقع الإيراني بأقل الخسائر، أعلن ترامب أن واشنطن لا تعتزم شن ضربات جديدة ضد إيران في الوقت الراهن، لكنه أكد في الوقت نفسه أن قواته جاهزة تمامًا إذا لزم الأمر. ومع أن ترامب أقر بنتائج الانتخابات منذ البداية، معتبرًا أنها لا تشكل انتكاسة شخصية له، إلا أنه سارع إلى وضع منشور على صفحته الرسمية عبارة عن قبعة حمراء مكتوب عليها كلمة فيتو، ليعلن لاحقًا أنه لا يعتزم قضاء العامين المقبلين في استخدام حق النقض ضد قرارات الكونغرس، معربًا عن استعداده للعمل مع الديمقراطيين لما فيه مصلحة الولايات المتحدة.
وفي مقابل الصفعات المدوية التي نزلت على ترامب والحزب الجمهوري كالصاعقة، احتفل الديمقراطيون بالفوز. ومع أن القاصي والداني أصبح على يقين بأن العامل الرئيسي وراء الهزيمة هو الحرب على إيران، فإن الديمقراطيين اعتبروا أن سبب فوزهم هو وحدتهم وتركيزهم على الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين الأميركيين، كما قال حكيم جيفري زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، الذي اعتبر أن الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار هو الذي أدى إلى خسارة الجمهوريين. أما تشاك شومر زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ فقد أكد أن حزبه سيعمل على إنهاء الحرب مع إيران، مستندًا إلى النتائج المعلنة وصلاحيات الكونغرس في التمويل.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة، حتى قبل الضربة الأميركية ضد إيران، ألقت بظلالها على نتائج الانتخابات. فمنذ استلام ترامب شن حملة واسعة ضد المهاجرين، وبذلك فقد تأييد الناخبين من الأصول اللاتينية، وبخاصة في فلوريدا وكاليفورنيا، وحتى الكوبيين الذين كانوا تقليديًا يصوتون للجمهوريين انقلبوا خلال ولاية ترامب. كما أن التعرفة الجمركية والتشدد في موضوع الهجرة أثرا سلبًا على الناخبين، ولا يمكن تجاهل نسبة الامتعاض العالية جراء ارتفاع الأسعار وغلاء الوقود والمحروقات. وكان تأثير هذا الوضع على المزارعين في ولاية تعتمد أساسًا على الزراعة مثل ولاية آيوا كبيرًا، فانقلبت من ولاية جمهورية إلى ولاية ديمقراطية. كما تأثر الناخب الأميركي سلبًا بارتفاع التعرفة الجمركية مع الصين وكندا، وبارتفاع فواتير الكهرباء وفواتير الغاز مع قدوم موسم الشتاء. كما تأثرت انتخابات التجديد النصفي سلبًا بالدعم الأميركي لإسرائيل، وعبر الناخبون، وبخاصة جيل الشباب، عن رفضهم لمواصلة الدعم الأميركي لحكومة نتنياهو التي ورطت أميركا بالحرب على إيران، ولا تزال مستمرة في ارتكاب المجازر في غزة. ولهذا سارع ترامب لوقف المساعدات غير الضرورية لإسرائيل، لكنه تأخر، وسبقت كلمة الصناديق قراراته.
وراحت الولايات المتحدة تغلي من الساحل إلى الساحل جراء العاصفة الانتخابية التي اجتاحتها في 3 نوفمبر، وكان العالم يراقب هذا التغيير الكبير ويبحث عن تفسيرات لتراجع الترامبية الشعبوية، حيث فاز أربعة مرشحين من أصول عربية في الانتخابات النصفية في رسالة إلى ترامب الذي دعم بدون حساب جرائم إسرائيل ونتنياهو في غزة.
وفي مقابل اعتراف إدارة ترامب بأن الحرب على إيران كانت ورطة تسببت بالخسارة، احتفلت إيران على طريقتها وأظهرت الشماتة، كما قالت أكسيوس، بخسارة الجمهوريين. لكن طهران، على المستوى الرسمي، اعتبرت أن المحادثات النووية لن تبدأ قبل تلبية شروطها السبعة التي نقلها الجانب القطري إلى واشنطن، وأنه لا فرق عندها بين الديمقراطيين والجمهوريين، كما قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الذي وجه رسالة إلى الإيرانيين بمناسبة اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، الذي يصادف ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، وقد تزامن مع يوم الانتخابات الأميركية النصفية. وأكد خامنئي أن أميركا تسعى لإخضاع بلاده، وقال إن رد إيران سيكون شاملًا إذا عادت أميركا إلى الحرب، وختم رسالته بالقول: واهم من يعتقد أن سياسة أميركا ستتغير، مشددًا على أن إيران لن تقدم تنازلات لأميركا.
أما رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف فقد قرأ في نتائج انتخابات التجديد النصفي أن الأميركيين قالوا لا للحرب، وأن فوز الديمقراطيين رسالة تعكس الرفض الشعبي لسياسات ترامب.
هذا وأثار فوز الديمقراطيين بالسيطرة على الكونغرس الأميركي ردات فعل دولية متباينة. واستقبلت موسكو على وجه السرعة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الذي نقل رسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المرشد خامنئي، وناقش الجانبان القضايا الرئيسية في المنطقة، والترتيبات الأمنية المستقبلية، ومرحلة ما بعد الحرب، بالإضافة إلى تعزيز التنسيق المشترك بين موسكو وطهران في ظل المكاسب العسكرية والسياسية التي تحققت على جبهتي إيران وأوكرانيا.
وعبر بوتين، الذي أدان مرارًا القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران، خلال اللقاء عن إدانته لقصف المنشآت النووية الإيرانية، واصفًا الحرب على إيران بأنها ظالمة. وقبل اللقاء بين الرئيس بوتين ورضائي، أعرب المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن أمل موسكو باستمرار

