
أنقرة تعلن أن صبرها بدأ ينفد، وتتهم إسرائيل بدعم “قسد” وتعطيل اتفاق العاشر من آذار… وحراك سياسي وعسكري وأمني سوري تجاه موسكو لاستعادة التوازن وخفض التصعيد بعد الاشتباكات الدامية في حلب.
الصديق عند الضيق… هكذا تبدو روسيا كالمنقذ الذي يقدم خشبة النجاة لسورية كلما داهمتها الأخطار وحاصرتها التحديات. ورغم العلاقات التي نجحت حكومة الشرع في نسجها مع الولايات المتحدة وحليفتيها في المنطقة (السعودية وتركيا)، إلا أن التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها سورية تدفعها باتجاه روسيا، التي لا تزال —رغم انتقال سورية من ضفة إلى أخرى— تمسك بأوراق قوية على الساحة السورية تمكنها من لعب دور يتوافق مع تطلعات حكومة دمشق للمحافظة على سورية وسيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها في مواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها؛ فتقدم لها القمح لتأكل في ظل الظروف المناخية الحالية، وتقدم لها الدعم السياسي للحد قدر المستطاع من التدخلات الإسرائيلية والتركية التي اتسعت وأخذت أشكالاً متعددة منذ سقوط النظام السابق في الثامن من كانون الأول عام 2024.
وأمام التحديات الخطيرة التي تواجهها سورية في مواجهة محاولات تقسيمها وفصل أجزاء منها في الجنوب وشرق الفرات، فقد أكدت روسيا التزامها بسيادة سورية ووحدة أراضيها. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه وزيري الخارجية والدفاع السوريين أسعد الشيباني واللواء مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات حسين السلامة، يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول، دعم روسيا الثابت لسوريا، مشدداً على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة، ورفض أي مشاريع تهدف إلى تقسيم البلاد أو المساس بقرارها الوطني المستقل. وجدد بوتين موقف موسكو الرافض للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية، معتبراً إياها تهديداً مباشراً للاستقرار والأمن في المنطقة.
وخلال زيارته الثانية خلال عام، بحث الوزير الشيباني مع نظيره الروسي في موسكو جهود عودة الاستقرار في سورية، وأكدا استمرار التنسيق والتشاور في المجالات كافة. وشدد الوزيران الشيباني ولافروف على رفض الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية، وأشار الوزير الشيباني إلى أن سورية تتطلع لإجراء مناقشات صريحة مع المسؤولين الروس لنقل العلاقات بين البلدين إلى مستوى استراتيجي.
جاءت زيارة الوفد السوري عالي المستوى، والذي ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات، على وقع التصعيد الأمني الخطير في حلب وشرق الفرات، والتهديدات التركية باقتراب ساعة الحسم العسكري في حال رفض قوات سورية الديمقراطية تنفيذ اتفاق العاشر من آذار.
ورغم المناخ الوطني الداعم لجهود الحكومة السورية لتحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، إلا أن نظرة شاملة على الواقع السياسي والأمني في سورية بعد أكثر من عام على التحرير وانتصار الثورة السورية تظهر حالة الانقسام والتفكك والفوضى واهتزاز الوحدة الوطنية، ووجود شرخ عميق بين مكونات الشعب السوري بين الأقليات (المعارضة) والأكثرية (الحاكمة). فيما تتسع مساحة النفوذ التركية على كامل الجغرافيا السياسية بحكم الأمر الواقع في الشمال وحماة، وسيطرة الفصائل الموالية لتركيا على هذه المناطق، واستمرار التوترات بين حكومة دمشق وبقية المكونات السورية في السويداء وشرق الفرات والساحل في ظل أوضاع أمنية معقدة وخطيرة تحد من حركة المواطنين السوريين وتمنع انطلاق عملية البناء والإعمار، في وقت تحاول فيه الحكومة تغطية هذه التحديات والإخفاقات الأمنية والسياسية والعجز عن منع التدخلات الأجنبية عبر تظهير بعض الإنجازات كإلغاء “قانون قيصر”، وهو إنجاز هام، بالإضافة إلى نجاح الدبلوماسية السورية في كسر العزلة المفروضة على سورية، وبالأخص كسر الجمود في العلاقات السورية الأمريكية.
ومع اقتراب نهاية العام وانتهاء المهلة المحددة في اتفاق العاشر من آذار لدمج قوات سورية الديمقراطية بالجيش السوري، فقد كثفت الحكومة السورية من تحركاتها باتجاه عواصم القرار في واشنطن وموسكو والرياض وأنقرة من أجل تنفيذ الاتفاق ومنع تركيا من التدخل العسكري ضد قوات سورية الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تعتبره أنقرة جزءاً من حزب العمال الكردستاني المحظور وتصنفه تنظيماً إرهابياً يهدد الأمن القومي التركي. وقد صعدت تركيا حدة لهجتها واتهمت إسرائيل بتشجيع الأكراد على رفض الاندماج بالجيش السوري.
وحمّل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان —بعد لقاء الرئيس الشرع برفقة وزير الدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن— في مؤتمر صحفي مع الوزير الشيباني “قسد” المسؤولية عن الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة حلب بالتزامن مع زيارة الوفد التركي إلى دمشق، فيما حملت قيادة “قسد” الحكومة وتركيا المسؤولية عن التصعيد الذي أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة العشرات وتسبب بحركة نزوح كبيرة عن أحياء الشيخ مقصود والأشرفية اللذين تقطنهما أكثرية كردية.
مدينة حلب التي تحتل رمزية تاريخية وتعد العاصمة الاقتصادية لسورية كانت من جديد مسرحاً لموجة من الاشتباكات الدامية بين الجيش السوري وقوات سورية الديمقراطية، وتبادل الجانبان الاتهامات بالمسؤولية عن هذه الأحداث التي تزامنت مع زيارة وفد تركي سياسي وأمني وعسكري إلى دمشق برئاسة الوزير هاكان فيدان، الذي وجه بعد لقاء الشرع خلال مؤتمر صحفي مع الوزير الشيباني الاتهامات إلى إسرائيل لأنها تشجع “قسد” وتعطل تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية، واعتبر أن عدم تطبيق اتفاق العاشر من آذار يهدد الأمن القومي التركي، وأكد أن صبر تركيا بدأ ينفد، وقال فيدان: “نأمل أن تمضي الأمور عبر الحوار والمفاوضات وبشكل سلمي. لا نريد أن نرى أي حاجة للجوء إلى الوسائل العسكرية مجدداً، لكن على قوات سوريا الديمقراطية أن تدرك أن صبر الأطراف المعنية بدأ ينفد”.
وقد تناولت وسائل الإعلام زيارة الوفد التركي عالي المستوى إلى دمشق باهتمام واسع باعتبارها الفرصة الأخيرة قبل أن تنفذ أنقرة تهديداتها وتقوم بعملية عسكرية ضد “قسد” كما فعلت في عام 2016 في عملية “درع الفرات” وعام 2019 في عملية “نبع السلام”. حيث إن النفوذ التركي يتسع بسبب سيطرة الفصائل الموالية لتركيا على مناطق واسعة في حلب وحماة التي ينتشر فيهما “الجيش الحر”، الذي لا يزال يتقاضى رواتبه من تركيا رغم انضمامه إلى وزارة الدفاع. وقد اتهم البعض هذه القوات الموالية لتركيا بالمسؤولية عن الاشتباكات التي شهدتها حلب، وذلك لخلط الأوراق وخلق البلبلة والشكوك، مع أن الجيش العربي السوري أصدر بياناً صريحاً أكد فيه أنه قام بالرد على مصادر النيران ولم يغير من خارطة السيطرة على الأرض، وأعلن لاحقاً وقف إطلاق النار من طرف واحد. وقال محللون إن الجيش لو كان يريد فتح جبهة مع “قسد” لكان هاجمها على جبهات أخرى وليس ضمن مدينة حلب المكتظة بالسكان. غير أن العامل التركي يبدو واضحاً لأن الاشتباكات بدأت مع زيارة الوفد وانتهت معه، مما يشير إلى أن تركيا أرادت أن ترسل رسالة بالنار إلى “قسد” ومن يدعمها. وفي المقابل يشكل الموقف التركي إحراجاً للحكومة السورية، وكأن تركيا أحرص على سورية ووحدتها من الحكومة السورية ذاتها.
العلاقة بين زيارة الوفد التركي وتطبيق اتفاق العاشر من آذار، الذي تنتهي المهلة المحددة لتنفيذه في نهاية عام 2025، تبدو منطقية خاصة وأن تركيا تعتبر أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو جزء لا يتجزأ من حزب العمال الكردستاني المحظور، كما تعتبر تركيا قوات سورية الديمقراطية جناحاً عسكرياً لحزب العمال بعد أن حل الأخير نفسه بموجب اتفاق مع زعيم الحزب عبد الله أوجلان.
ويبدو أن سورية كانت في حوار هادئ ومتواصل مع قوات سورية الديمقراطية لحلحلة العقد، غير أن تركيا تعارض بشدة بقاء قوات سورية الديمقراطية كفرق مستقلة داخل الجيش السوري وترفض الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية وقسد للانضمام بثلاث فرق عسكرية تتمركز في المحافظات الشرقية (الحسكة والرقة ودير الزور)، وتشكيل لوائين من قوى الأمن الداخلي وتحديد حصة لقسد تقدر بـ 30 بالمئة من المواقع والمناصب داخل هيئة الأركان، مقابل دمج الإدارة الذاتية الحالية مع مؤسسات الدولة وتسليم المعابر والمطار وآبار النفط والغاز للحكومة السورية. ولكن تركيا رفضت هذه الصيغة وأعطت الأوامر للجيش الحر وللفصائل الموالية لها في رسالة غير ودية للحكومة السورية مفادها أن تركيا لا تزال تمسك بجميع الأوراق داخل الجغرافيا السورية حتى بعد زيارة الشرع لواشنطن وإعلان ترامب دعمه لحكومة الشرع، وبعد دمج الفصائل ضمن وزارة الدفاع؛ مع الإشارة إلى أن بريطانيا فرضت عقوبات على ضباط سوريين سابقين وعلى قادة الفصائل الموالية لتركيا ومن بينهم “أبو عمشة” وقادة الحزب التركستاني…
وهنا لا بد من الإشارة إلى العلاقة بين نتائج زيارة الوفد التركي لدمشق وزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة ورئيس الاستخبارات حسين السلامة إلى موسكو، خاصة وأن أنقرة وموسكو تعملان معاً منذ بداية الأزمة السورية عبر مبادرات ثنائية وعبر مسار أستانا الذي توقف منذ سقوط النظام السابق. غير أن مقتضيات المرحلة الحالية تفرض العمل على تطبيق القرار الأممي 2799 الذي يتضمن القرار الأممي 2254 ويؤكد على وحدة سورية وسيادتها ووحدة أراضيها، والتي يتم التعبير عنها بثلاثية (وحدة الشعب والجيش والدولة)؛ ولهذا فإن روسيا تعود إلى الساحة السورية بالنظر لدورها الإيجابي والحاجة الماسة إلى هذا الدور الذي يساهم في إعادة الأمن والاستقرار وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، ويعيد الثقة بسورية وموقعها بكونها تنتهج سياسة متوازنة وتساهم في صنع السلام في المنطقة والعالم.

