
بعد أيام فقط من الصدمة التي خلّفها التدخل العسكري الأمريكي المباشر في فنزويلا، يتجه البيت الأبيض بنظره شمالاً، نحو جزيرة جليدية هادئة تبدو بعيدة عن صخب السياسة العالمية. غير أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاريه تكشف أن جرينلاند لم تعد مجرد نقطة على الخريطة، بل هي الهدف التالي في استراتيجية توسع تضع القانون الدولي والحلف التاريخي نفسه على حافة الهاوية. بينما ترفع واشنطن شعار “الأمن القومي” و”التهديد الصيني الروسي”، تدرس علانيةً خيارات السيطرة على الجزيرة، بما في ذلك الخيار العسكري المباشر. هذا المسار لا يهدد فقط استقرار القطب الشمالي، بل يطرح سؤالاً وجودياً عن مصير حلف الناتو والنظام العالمي القائم على السيادة، في لحظة تاريخية يحذر فيها حلفاء أمريكا التقليديون من أن هذا الطموح قد “يؤدي إلى نهاية حلف شمال الأطلسي”.
يكمن سر الاهتمام الأمريكي المتجدّد في موقع جرينلاند الاستراتيجي الفريد وثرواتها الهائلة. فهي ليست مجرد أكبر جزيرة في العالم، بل هي بوابة الولايات المتحدة إلى القطب الشمالي، الذي يتحول بفعل ذوبان الجليد إلى ساحة تنافس جيوسياسي واقتصادي حاد. تحت جليدها تكمن احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة، التي تُعد ضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، بالإضافة إلى النفط والغاز. كما أن موقعها يمثل نقطة مراقبة واستطلاع لا تُقدَّر بثمن في مواجهة الأنشطة المتزايدة لكل من روسيا والصين في المنطقة، وهو ما يستخدمه البيت الأبيض كأبرز مبرراته.
لم تكن فكرة شراء جرينلاند وليدة اليوم. فقد طرحها ترامب لأول مرة عام 2019 واصفاً إياها بـ “صفقة عقارية ضخمة”. لكن الخطاب الأمريكي شهد تصعيداً نوعياً مع بداية عام 2025. فلم يعد الحديث عن شراء ودّي، بل عن “مجموعة من الخيارات” تشمل صراحةً “استخدام القوة العسكرية”. ووصل التحدي إلى حد قول نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، ستيفن ميلر، إن “لن يقاتل أحد الولايات المتحدة عسكريًا من أجل مستقبل جرينلاند”, مثيراً بذلك استفزازاً مباشراً لحلفاء واشنطن. حتى أن زوجة المستشار كاتي ميلر نشرت خريطة للجزيرة ملونة بألوان العلم الأمريكي وكتبت عليها كلمة “قريباً”, في رسالة رمزية اعتبرتها كوبنهاغن ونوك (عاصمة جرينلاند) إهانة واستفزازاً.
المعضلة الأساسية في المطالب الأمريكية هي أنها تتناقض جوهرياً مع القانون الدولي ومع ميثاق الأمم المتحدة الذي تنص مواده على احترام السلامة الإقليمية للدول وسيادتها. فجرينلاند ليست أرضاً مباحة؛ إنها جزء من مملكة الدنمارك ذات السيادة، وتتمتع بحكم ذاتي واسع. وقد أكد قادة أوروبا في بيان مشترك أن “جرينلاند ملك لشعبها”، وأن أي قرار بشأن مستقبلها هو حق حصري للدنمارك والجزيرة. محاولة شراء أو فرض السيطرة على إقليم شعب آخر بالقوة هي ممارسة استعمارية من القرن التاسع عشر، تُذكر العالم بمبدأ “الحق للأقوى” الذي سعت البشرية إلى تجاوزه بعد حربين عالميتين.
هنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة. الدنمارك عضو مؤسس في حلف الناتو، وجرينلاند مشمولة بالضمانات الأمنية للحلف. رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن حذّرت بوضوح لا لبس فيه “إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة عضو في الناتو عسكرياً، فإن كل شيء يتوقف، بما في ذلك الناتو”. هذا التحذير يضع الحلفاء الأوروبيين وأمريكا في مأزق وجودي إما الدفاع عن مبدأ السيادة الجماعي الذي أسس الحلف، وهو ما يعني مواجهة القوة العسكرية للحليف الأكبر، أو السكوت عن عدوان على عضو، مما يفتت مصداقية التحالف ويُفقد مبرر وجوده. لقد بدأت أوروبا في الاختيار، حيث وقفت دولها الكبرى (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا) صفاً واحداً خلف كوبنهاغن في رفض المطالب الأمريكية.
كما في حالة فنزويلا، يُلاحظ صمت مطبق أو تحفظ واضح من عدد من القوى الدولية في التنديد الصريح بالطموحات الأمريكية. هذا الصمت ليس بريئاً، بل هو تعبير عن انحدار أخلاقي في السياسة الدولية، حيث تطغى حسابات المصلحة والرهبة من القوة العسكرية الأمريكية على مبادئ العدل والشرعية. المجتمع الدولي، الذي ينهض غاضباً عند انتهاكات تُنسب لدول مثل روسيا أو الصين، يبدو عاجزاً أو غير راغب في مواجهة انتهاكات مماثلة تصدر من واشنطن. إنه سيناريو “الكيل بمكيالين” الذي يُفقد النظام الدولي شرعيته ويُعيد العالم إلى منطق الغاب، حيث الحق للقوة فقط.
لا يمكن فهم التصعيد حول جرينلاند بمعزل عن السياق الأوسع. فالعملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا واعتقال رئيسها كانت إشارة واضحة على انتهاج واشنطن سياسة القوة المباشرة لتحقيق أهدافها، بغض النظر عن القانون الدولي. نجاحها (المزعوم) هناك قد يشجعها على المضي قدماً في مغامرات أخرى.
النمط واحد اختلاق أو تضخيم تهديد أمني (مخدرات في فنزويلا، تهديد صيني-روسي في جرينلاند)، ثم استخدامه ذريعة للتدخل لفرض السيطرة على موارد طبيعية أو مواقع استراتيجية. إنه إعلان عن عودة “مبدأ مونرو” بصورة عسكرية عنيفة، حيث تعتبر واشنطن نصف الكرة الأرضية بكامله مجالاً نفوذاً خالصاً لها.
التحدي الذي تطرحه أزمة جرينلاند يتجاوز مصير جزيرة جليدية. إنه اختبار حقيقي للنظام العالمي ولحلف الناتو. السؤال الآن هو هل ستتمكن أوروبا من الوقوف ككتلة واحدة لردع الحليف الأمريكي عن تدمير التحالف من الداخل؟ أم أن الخوف من العزلة والرهبة من القوة الأمريكية سيدفعان إلى المزيد من التنازلات، مما سيفتح الباب أمام حقبة جديدة من التوسع الإمبراطوري الأمريكي الذي لا يعترف بسيادة ولا بحلف؟ جرينلاند هي الجرس الذي يدق نذيراً إما أن تعيد القوى الديمقراطية التمسك بمبادئها التي تدعي الدفاع عنها، أو ستشهد الانهيار البطيء للنظام الذي حافظ على السلام النسبي لأكثر من سبعة عقود. الصمت والخنوع اليوم سيكونان مقدمة لعمليات ضم وغداً، لأن الطمع، كما علّم التاريخ، لا يعرف حدوداً.

