
في الثامن من أغسطس 2026، ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهرها السادس، هزّت تسريبات إعلامية جديدة أروقة البنتاغون والبيت الأبيض، وكشفت عن أعمق أزمة ثقة بين القيادة السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام. فوفقاً لتقرير نشرته شبكة “سي إن إن” الأمريكية، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، فإن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، أبلغ في الأسابيع الأخيرة كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب، وبشكل خاص مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جي دي فانس، بأن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى إيجاد “مخرج” من الحرب مع إيران، لأن الخيارات العسكرية المطروحة لتصعيد النزاع قد تأتي بنتائج عكسية، والقوة الجوية وحدها غير قادرة على تحقيق الأهداف التي أعلنها ترامب. هذا التسريب، الذي وصفته المصادر بأنه “محاولة من كين لحماية الجيش” من مغامرة سياسية غير محسوبة, لم يكن مجرد خلاف تكتيكي بين جنرال وسياسي، بل كان اعترافاً صريحاً من أعلى هرم عسكري أمريكي بأن الحرب على إيران، التي وعد ترامب بأنها ستكون “خاطفة” و”منتصرة”، تحولت إلى مستنقع استراتيجي يهدد بتدمير القدرات العسكرية الأمريكية وإرهاق الاقتصاد وتقويض المكانة الدولية لواشنطن، في مشهد يذكرنا بأسوأ كوابيس التدخلات الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق. لم يكن هذا التسريب وليد فراغ، بل كان تتويجاً لستة أشهر من القتال العنيف الذي فشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة. ففي 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً مشتركاً واسع النطاق على إيران تحت اسم “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، بهدف معلن هو “تفكيك البرنامج النووي الإيراني” و”إحداث تغيير في النظام”. لكن بعد ستة أشهر من القصف الجوي المكثف، الذي كلف أكثر من 37.5 مليار دولار وفقاً لشهادة وزير الدفاع بيت هيغسيث أمام الكونغرس, لم تحقق القوات الأمريكية سوى مكاسب ميدانية محدودة، بينما ظل النظام الإيراني صامداً، بل وأعاد تنظيم صفوفه وعين قيادات عسكرية جديدة أكثر تشدداً. وبدلاً من أن تنهار إيران، كما راهن ترامب، تحولت الحرب إلى حرب استنزاف استنزفت مخزونات الذخائر الأمريكية الحيوية، خاصة صواريخ الاعتراض الباليستي بعيدة المدى، مما دفع البنتاغون إلى مصادرة صواريخ “باتريوت” التي اشترتها الدول الأوروبية لتعويض النقص، في فضيحة هزت ثقة الحلفاء في “المظلة الأمنية” الأمريكية.
جوهر هذه الأزمة يكمن في التناقض الصارخ بين رؤية ترامب للقوة الجوية كسلاح حاسم، ورؤية الجنرالات الميدانية لواقع الحرب. فترامب، الذي ظل طوال أشهر الحرب مصراً على رفض إرسال قوات برية إلى إيران، كان يعتقد أن القصف الجوي المكثف وحده كافٍ لإجبار طهران على الرضوخ لشروطه. لكن الجنرال كين، الذي واجه هذا الوهم وجهاً لوجه، كان واضحاً في تحذيراته “القوة الجوية لها حدودها”. فالقصف الجوي، مهما كان كثيفاً، لا يمكنه القضاء على نظام دفاعي مرن كالنظام الإيراني، الذي تعلم من عقود من الحروب والعقوبات كيف يوزع قدراته ويخفيها ويحميها. والأكثر خطورة، أن كين حذر من أن أي تصعيد عسكري إضافي، حتى دون إرسال قوات برية، قد يأتي بنتائج عكسية، حيث قد يدفع إيران إلى استخدام أسلحة الردع غير التقليدية، أو إلى شن هجمات انتقامية واسعة على القواعد الأمريكية في الخليج، مما قد يجبر واشنطن على التورط في حرب برية لا تريدها ولا تستطيع تحمل تكاليفها.
الأبعاد الكارثية لهذه الأزمة تتجلى في ثلاثة مستويات رئيسية. أولاً، المستوى العسكري فاستنزاف الذخائر الأمريكية، خاصة صواريخ الاعتراض الباليستي، يعني أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حماية قواعدها وحلفائها في الشرق الأوسط بشكل كافٍ. تقارير “واشنطن بوست” كشفت أن النقص الحاد في الصواريخ الموجهة بعيدة المدى كان سبباً في تراجع عدد الضربات الجوية في الأسبوع الأخير. هذا الضعف، الذي أدركه كين جيداً، يضع القوات الأمريكية في موقف دفاعي هش، ويشجع إيران وحلفاءها على استغلال هذا الفراغ. ثانياً، المستوى السياسي فانكشاف الخلاف بين ترامب وجنرالاته يضعف موقف واشنطن التفاوضي، ويظهر للعالم أن الإدارة الأمريكية منقسمة على نفسها، وغير قادرة على تقديم استراتيجية متماسكة. هذا الانقسام، الذي وصفته المصادر بأنه “محاولة من كين لتنسيق الموقف مع الوزراء الرئيسيين قبل لقاءاتهم مع ترامب”، يعكس أزمة ثقة عميقة بين القيادة السياسية والعسكرية، قد تدفع البنتاغون إلى التمرد على أوامر الرئيس، أو على الأقل إلى المماطلة في تنفيذها. ثالثاً، المستوى الاستراتيجي: ففشل الحرب على إيران، بعد ستة أشهر من القتال، هو فشل للعقيدة الأمريكية بأكملها في الشرق الأوسط.
فالحرب، التي كانت تهدف إلى “تغيير النظام” و”تفكيك القدرات النووية”، لم تحقق أياً من هذين الهدفين، بل على العكس، عززت تماسك النظام الإيراني حول قيادة جديدة أكثر تشدداً، وزادت من عداء الشعب الإيراني للغرب، ودفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم تحالفاتها، وفتحت الباب أمام نفوذ روسي وصيني متزايد في المنطقة.
في خضم هذا المشهد، يقف الموقف الروسي كصخرة صلبة، يتابع باهتمام كيف ينهار “المشروع الأمريكي” في الشرق الأوسط تحت وطأة تناقضاته الداخلية. الكرملين، الذي كان يحذر منذ البداية من مغبة المغامرة العسكرية في إيران، يرى اليوم في تسريبات كين تأكيداً على صحة تحليلاته. فموسكو، التي حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، تقدم نفسها كوسيط محايد، وكقوة عاقلة في عالم مجنون. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد صرح سابقاً بأن “الحلول العسكرية في الشرق الأوسط محكوم عليها بالفشل، وأن الحوار هو السبيل الوحيد للاستقرار”. واليوم، تبدو هذه الكلمات أكثر واقعية من أي وقت مضى، حيث يبحث كبار الجنرالات الأمريكيين عن “مخرج” من حرب لا يمكن كسبها، بينما يصر ترامب على مواصلة القصف وكأن شيئاً لم يتغير.
الردود الرسمية على هذه التسريبات كانت، كما هو متوقع، بين النفي والتبرير المراوغ. المتحدث باسم الجنرال كين، جوزيف هولستيد، رفض التعليق على “المحادثات السرية”، ووصف التسريبات بأنها “توصيفات مجهولة المصدر” و”مدفوعة بأجندات”. البيت الأبيض، في بيانه، أشاد بـ”الجنرال كين كأصل لا يقدر بثمن لفريق الأمن القومي للرئيس ترامب”، وأكد أن “الجنرال يقدم دائماً معلومات دقيقة وغير متحيزة ومجموعة من الخيارات للقائد الأعلى”. لكن هذا الثناء الرسمي لم ينجح في إخفاء حقيقة أن كين، في محادثاته الخاصة، كان يحاول جاهداً إقناع مستشاري ترامب بأن الحرب قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الخيارات العسكرية المتبقية إما غير مجدية أو محفوفة بالمخاطر. المصادر أكدت أن “الوحيدين الذين كانوا يؤيدون مواصلة التصعيد هم عناصر من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)”, مما يعني أن حتى داخل البنتاغون، هناك انقسام حاد بين القيادة الميدانية والقيادة السياسية.
في المحصلة، فإن تسريبات “سي إن إن” حول بحث الجنرال كين عن “مخرج” من الحرب على إيران ليست مجرد خبر عابر، بل هي وثيقة اعتراف رسمية بفشل المشروع العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. فبعد ستة أشهر من القصف والدمار، وبعد إنفاق أكثر من 37.5 مليار دولار، وبعد استنزاف مخزونات الذخائر الحيوية، يصل كبار الجنرالات الأمريكيين إلى قناعة مفادها أن الحرب لا يمكن كسبها عسكرياً، وأن الخيارات المطروحة للتصعيد إما غير مجدية أو خطيرة. هذا الاعتراف، الذي يأتي من أعلى هرم عسكري في الولايات المتحدة، هو بمثابة “إعلان وفاة” للحلم الأمريكي بـ”تغيير النظام” في إيران، وبداية لمرحلة جديدة من البحث عن مخرج دبلوماسي، قد تكون أكثر إيلاماً لواشنطن من استمرار الحرب نفسها. فإذا كان الجنرالات يبحثون عن مخرج، فهذا يعني أنهم يدركون أنهم دخلوا في مستنقع لا يمكن الخروج منه بسهولة، وأن أي انسحاب، مهما كانت شروطه، سيكون بمثابة اعتراف بالهزيمة، وسيترك إيران أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، وسيفتح الباب أمام نفوذ روسي وصيني متزايد في المنطقة. روسيا، التي كانت تراقب هذه التطورات عن كثب، ترى في هذا المأزق تأكيداً على صحة رؤيتها القائلة بأن القوة العارية، مهما بلغت، لا يمكنها أن تنتصر على إرادة الشعوب، وأن الحلول الدبلوماسية، رغم بطئها، هي وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار الدائم. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل سيكون لدى ترامب الشجاعة للاعتراف بفشل حربه والبحث عن مخرج، أم سيصر على مواصلة القصف حتى ينفد آخر صاروخ أمريكي، تاركاً جيشه وحلفاءه يواجهون مصيراً مجهولاً في مستنقع إيراني لا نهاية له؟ موسكو حذرت، والأدلة تتحدث، والقادم سيكون أكثر إيلاماً لواشنطن مما نتصور.

