
في ظل التصعيد الغربي المتواصل والتحركات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وجهت موسكو رسائل صريحة إلى كييف وأوروبا والولايات المتحدة، مؤكدة أنها لا تتراجع عن تحقيق أهداف عمليتها العسكرية الخاصة في دونباس، وفي الوقت نفسه تبقي أبواب الحوار مفتوحة مع الغرب.
وتنتظر موسكو زيارة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد تأجيلها عدة مرات بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية.
وفي الميدان، تزامنت هذه الرسائل مع استمرار الضربات الروسية ضد مواقع أوكرانية، فيما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منحه الفوج الرئاسي وسام جوكوف، مخاطبا أفراد الفوج والمحاربين القدامى، إن قاعة القديس جاورجيوس تعد أحد الرموز الرئيسية والحواضن التي تحفظ ذكرى البسالة العسكرية للوطن والمعارك الأسطورية والأبطال.
وأكد بوتين أن موسكو قادرة على الرد على أي تهديدات، مشيرا إلى جاهزية الثالوث النووي الروسي، ومحذرا الدول التي تساعد نظام كييف، الذي يهدد بتوسيع دائرة النار لتطال بيلاروس.
ومن جانبه، وجه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف رسائل سياسية إلى الولايات المتحدة وأوروبا والناتو، مشيرا إلى الوقائع والتطورات على الأرض وما يجري من وراء الستار أكثر مما هو ظاهر للعيان.
وقال لافروف خلال مشاركته في المنتدى الدولي الثاني عشر «قراءات بريماكوف» إن روسيا منفتحة على إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا في أي وقت، وإنه لا يزال من الممكن حل الوضع المحيط بأوكرانيا من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، مؤكدا أن روسيا لن تأخذ أي تعهدات شفهية على محمل الثقة بعد الآن في المفاوضات حول أوكرانيا.
وأشار لافروف إلى أن الكرة ليست في ملعب موسكو، معتبرا أن محاولات تمرير المسؤولية إلى روسيا عبر مناورات دبلوماسية لن تنجح، كما أكد أن التنسيق بين موسكو وبكين يمثل عاملا مهما في الحفاظ على الاستقرار الدولي.
وفي انتقاد مباشر للاتحاد الأوروبي، وصف لافروف موقفه في المفاوضات مع روسيا بأنه سطحي وغير ملائم، مطالبا أوروبا بأخذ التحذيرات الأمنية الروسية على محمل الجد وعدم تجاهلها.
كما أكد رئيس الدبلوماسية الروسية أن موسكو تواصل مناقشاتها بشأن زيارة محتملة للمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مؤكدا أن روسيا لا تزال مستعدة للاستماع إلى مقترحاتهما.
وجاءت هذه المواقف بعد سلسلة اجتماعات ولقاءات أعقبت قمة السبع في باريس، وزيارة الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إلى واشنطن، وتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن وجود تقارب بين أمريكا وأوروبا بشأن أوكرانيا، إضافة إلى اجتماع برلين الذي جمع ممثلين عن ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وبولندا لدعم أوكرانيا بالسلاح، وكذلك اجتماع تركيا بين الرئيسين البولندي والتركي.
وتؤكد موسكو أنها تتابع كل حركة وسكنة في أوروبا، وأنها مستعدة للحوار والعودة إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها بين روسيا وأوكرانيا في تركيا عام 2022، وفي الوقت نفسه تصر على تحقيق كامل أهداف العملية العسكرية في دونباس.
وفي هذا السياق، وجه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف تحذيرا إلى أوروبا، مؤكدا أنه ينبغي على الدول الغربية ألا تشك في تصميم روسيا على تحقيق أهداف العملية العسكرية، وأن موسكو ستحمي مصالحها بكل الوسائل المتاحة.
ويرى المقال أن الخلافات داخل أوروبا وتراجع الاهتمام الأمريكي بالقارة، إلى جانب استمرار تسليح أوكرانيا وتمويلها، تجعل الحوار أكثر تعقيدا، بينما تتعامل الولايات المتحدة مع الملف بمقاربة تبدو أكثر واقعية، رغم تراجع حماسة ترامب لوقف الحرب بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.
ومع ذلك، أكد ترامب مجددا أنه سيرسل ويتكوف وكوشنر إلى موسكو قريبا لاستكمال الخطوات الإيجابية التي تحققت على طريق إيجاد حل سلمي وإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وفي المحصلة، يرى المقال أن ما ترغب روسيا في تحقيقه بالسلم هو ذاته ما تسعى إليه بالحرب في أوكرانيا، وأنها ترسم من خلال هذه الحرب خارطة جديدة للعالم، لا خارطة أوروبا فقط.
كما يضيف أن استراتيجية الناتو، كما يروج لها أمينه العام مارك روته، تجاوزها الزمن، وأن الحلف بات يواجه انقسامات داخلية وتراجعا في الدور الأمريكي، وسط تساؤلات حول مستقبل قمة الناتو المقبلة في تركيا، واحتمال أن تكون من آخر القمم لهذا الحلف الذي يفقد أسباب وجوده تدريجيا.
وتختتم القراءة بأن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة، وأن روسيا ستقول كلمتها الأخيرة في الصراع الأوكراني، سلما أم حربا.
يحيى كوسا

