
في الخامس عشر من يونيو 2026، وبينما كانت عواصم العالم تترقب الإعلان الرسمي عن الاتفاق التاريخي بين واشنطن وطهران، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستعد لتوجيه الصدمة الدبلوماسية الأكثر إزعاجاً للبيت الأبيض. ففي مؤتمر صحفي عقب ساعات من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين، أكد عراقجي بكل وضوح أن إنهاء الحرب في لبنان يشكل “جزءاً لا يتجزأ” من الاتفاق الجاري مع الولايات المتحدة.
هذه التصريحات، التي جاءت لتضع النقاط على الحروف في نص مذكرة التفاهم التي تنص على “الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان”، لم تكن مجرد تأكيد على بند ثانوي، بل كانت إعلاناً عن تحول استراتيجي جذري: طهران لم تعد تنظر إلى لبنان كجبهة منفصلة يمكن التضحية بها، بل جعلته “بوابة عبور” لأي اتفاق مع واشنطن، ورقة ضغط لا يمكن تجاوزها في أي تسوية شاملة.
لم يكن هذا الموقف الإيراني وليد لحظة انفعال عابرة، بل كان تتويجاً لسياسة ممنهجة استمرت لأكثر من أربعة أشهر من الحرب المدمرة. فمنذ اليوم الأول للعدوان المشترك على إيران في 28 فبراير، كانت طهران تدرك أن الجبهة اللبنانية ليست مجرد ساحة مواجهة ثانوية، بل هي القلب النابض لمشروعها الإقليمي. حزب الله، الحليف الأقوى والأكثر تجهيزاً، كان يتحمل عبء القتال ضد إسرائيل على جبهة مفتوحة، بينما كانت طهران تتعرض للقصف في عمق أراضيها. في هذا السياق، كان من المستحيل على القيادة الإيرانية أن تقبل بأي اتفاق ينهي الحرب على جبهة واحدة ويترك الأخرى مشتعلة. عراقجي كان واضحاً عندما قال إن “طهران تعتبر منذ البداية أن وقف الحرب مع إيران يرتبط مباشرة بإنهاء الحرب في لبنان، في إطار التزامات متبادلة بين الأطراف”. هذه الرؤية لم تكن مجرد موقف تفاوضي، بل كانت تعبيراً عن عقيدة استراتيجية راسخة: وحدة الساحات، وترابط المصير، ورفض أي اتفاق مجزأ يترك حلفاء إيران وحدهم في مواجهة العدو.
جوهر الارتباط بين الاتفاق ولبنان يكمن في التناقض الصارخ بين التزامات الاتفاق والموقف الإسرائيلي. فالاتفاق الذي تم التوقيع عليه بوساطة باكستانية ينص بوضوح على “الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”. لكن إسرائيل، التي لم تكن طرفاً في المفاوضات، أعلنت في اليوم التالي مباشرة أن قواتها ستبقى في الأراضي اللبنانية التي احتلتها “إلى أجل غير مسمى”. وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن هذه المناطق “ستُطهر من السكان المحليين” وأن الجيش الإسرائيلي سيستمر في تدمير المنازل هناك. هذا التصريح، الذي جاء بعد ساعات فقط من الإعلان عن الاتفاق، لم يكن مجرد خرق لوقف إطلاق النار، بل كان إعلاناً عن نية إسرائيلية لتحويل الاحتلال المؤقت إلى ضم دائم، وتغيير ديموغرافي جذري في جنوب لبنان.
هذا التناقض بين التزامات الاتفاق والسلوك الإسرائيلي يضع واشنطن في موقف بالغ الحرج. فمن ناحية، التزمت الولايات المتحدة في مذكرة التفاهم بإنهاء العمليات العسكرية في لبنان واحترام “وحدة أراضيه وسيادته”. ومن ناحية أخرى، تعجز عن إلزام حليفها الأقرب بتنفيذ هذه الالتزامات. المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي كان واضحاً عندما قال إن “الولايات المتحدة يجب أن تضمن” أن إسرائيل تمتثل للاتفاق، وأضاف أن “أي انتهاك للاتفاق من قبل الجهات الفاعلة الأخرى وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة سيكون من مسؤولية الجانب الأمريكي”. هذا الموقف الإيراني يحول مسؤولية تنفيذ الاتفاق في لبنان من تل أبيب إلى واشنطن، مما يضع الرئيس ترامب في مواجهة مباشرة مع حليفه نتنياهو، ويجعل من لبنان اختباراً حقيقياً لمصداقية الاتفاق برمته.
الأبعاد الخطيرة لهذا الارتباط تتجاوز بكثير مجرد خرق لوقف إطلاق النار. فوزير الخارجية الإيراني كشف أن مذكرة التفاهم تضم، في طرفها الأول، الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي طرفها الثاني، إيران وحزب الله. هذا التحديد الواضح للأطراف يعني أن أي انتهاك إسرائيلي لبنود الاتفاق في لبنان سيعتبر انتهاكاً إيرانياً مباشراً، وقد يدفع طهران إلى العودة إلى حالة الحرب. حزب الله، الذي رحب بالاتفاقي، أكد أنه لن يوقع على أي اتفاق نهائي ما لم تنسحب إسرائيل بالكامل من الأراضي اللبنانية. هذا الموقف المتشدد، المدعوم من طهران، يجعل من المستحيل تحقيق أي استقرار دائم في لبنان دون حل جذري لمسألة الاحتلال الإسرائيلي.
في خضم هذا المشهد المتفجر، يبرز الموقف الروسي كصوت العقل والحكمة. فموسكو، التي كانت منذ البداية تحذر من مغامرات واشنطن وتل أبيب في المنطقة، رحبت بتوقيع المذكرة، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن وقف إطلاق النار له “بعد إقليمي” يمتد ليشمل لبنان.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد حذر قبل أسابيع من أن إسرائيل تسعى لتخريب أي فرصة للسلام في لبنان، والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة تثبت أن الرؤية الروسية للصراع كانت الأكثر واقعية ودقة. الكرملين، الذي يدرك أن استمرار القتال في لبنان سيعني استمرار عدم الاستقرار في المنطقة برمتها، يضع نصب عينيه ضرورة إيجاد تسوية شاملة تضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وتعيد الاستقرار إلى الجبهة الأكثر اشتعالاً.
في المحصلة، فإن ربط إيران بين الاتفاق مع واشنطن ولبنان ليس مجرد تكتيك تفاوضي، بل هو اعتراف بحقيقة جيوسياسية عميقة: أن لبنان لم يعد مجرد ساحة مواجهة ثانوية، بل أصبح القلب النابض للصراع الإقليمي، والمفتاح الحقيقي لأي سلام دائم في المنطقة. طهران، بذكائها الاستراتيجي، حولت ملف لبنان من مجرد بند ثانوي إلى “بوابة عبور” لا يمكن تجاوزها، مما أجبر واشنطن على مواجهة مسؤولياتها تجاه حليفها المارق، وأظهر للعالم أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يبنى على حساب سيادة الدول، وأن أي اتفاق يتجاهل التوازنات الإقليمية هو مجرد قطعة ورق لا تساوي الحبر الذي كتبت به. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستكون واشنطن قادرة على كبح جماح حليفها الإسرائيلي قبل أن ينفجر الوضع في لبنان من جديد، أم أن الاتفاق سيبقى حبراً على ورق، بينما تواصل المنطقة نزيفها المستمر على جبهة الليطاني؟

