
فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، بدأت تتكشف مخاطر تغلغل الموساد وجواسيس الاحتلال في الشارع السوري المثقل بالأوجاع والهموم الحياتية والاقتصادية والأمنية، وهو يتعرض لموجات من حملات التجييش الطائفي في لعبة بشعة تحوّل هذا الشارع إلى مجرد دمية تحركها وتسيطر عليها قوى خارجية، بهدف زيادة الشرخ والانقسامات بين السوريين.
وتستخدم هذه القوى أساليب شيطانية لإثارة النعرات الطائفية وضرب وحدة البلاد وتدمير عقيدتها السمحة، وخلق فجوات وخلافات شديدة بين أبناء الشعب الواحد، عبر أدوات مأجورة تقود مجموعات من الغوغاء الذين ينشرون الذعر والخوف والفوضى وهم يجوبون شوارع المدن والبلدات، ويرددون شعارات طائفية مدمرة، ويعتدون على المدنيين الآمنين بحجة أنهم من بقايا النظام السابق أو من الفلول.
ويدخل هؤلاء عنوة إلى الأحياء الآمنة، ويتنمرون على السكان المدنيين، ويعتدون على الممتلكات الخاصة، ويكسرون المحال التجارية، ويطلقون الشعارات المذهبية ضد مكونات المجتمع السوري المختلفة، كما حصل مؤخراً في مزة جبل 86 وفي منطقة عش الورور في العاصمة دمشق، وفي مناطق بريف حماة وحمص.
وفي مفارقة عجيبة، تزامنت هذه الاعتداءات والهجمات في وقت كان الشارع السوري ينتظر انفراجات أمنية واقتصادية وسياسية بعد أشهر من الاستقرار النسبي، وبعد أن سجلت قوات الأمن السورية تقدماً كبيراً في مهامها في مختلف المناطق، وقدمت مجهودات لافتة في كشف عشرات الجرائم والتجاوزات، الأمر الذي أشاع حالة من الارتياح في الشارع السوري.
إلا أن ظاهرة التنمر والتشبيح والاعتداءات التي وقعت مؤخراً، رغم محاولات قوات الأمن الحؤول دون وقوعها، أعادت أجواء الخوف وطرحت العديد من التساؤلات حول توقيت إثارة هذه الشعارات والجهات التي تقف وراءها.
وكان لافتاً أن قوات الأمن نجحت هذه المرة في وقف اعتداءات هؤلاء الغوغاء بالتعاون مع أبناء الأحياء التي تعرضت للهجمات، في وقت تسود حالة من عدم اليقين في الشارع السوري من أن الفوضى ومساحة الخوف تتسعان مع استمرار حملات التحريض التي تقودها إسرائيل وأجهزتها الاستخباراتية، وقد خصصت مئات المواقع على شبكات التواصل من أجل بث الفتنة وتجييش الشارع السوري لخدمة مطامح حكومة الاحتلال برئاسة نتنياهو للسيطرة على سوريا وتدميرها.
ومع أن أصابع الاتهام في هذه الأعمال الإجرامية الخبيثة تشير إلى إسرائيل، التي تسعى لتمزيق سوريا وتقسيمها وإضعافها لخدمة مشروع إسرائيل الكبرى، فإن حرص ومتابعة قوات الأمن السورية حالا دون وقوع مجازر جديدة. غير أن الجمر لا يزال تحت الرماد، ولا تزال حملات التحريض التي تقوم بها قوى الشر ضمن مخطط مرسوم ومؤامرة مدبرة ضد قوى الخير والوحدة في سوريا.
ويحرص السوريون من مختلف الطوائف والانتماءات على الدفاع عن وحدة البلاد، في وقت تريد إسرائيل العودة إلى الماضي، وتحت عنوان العدالة زرع الفتنة، مع أن القاصي والداني أصبح يعلم أن أحداً لا يريد تغطية أو حماية أي شخص يرتكب جرائم ضد الشعب السوري. لكن المطلوب من هذه الموجة من التصعيد والتجييش هو ضرب وحدة السوريين في كل قرية وبلدة، تحت عناوين من قبيل أن فلاناً من الناس كان يتعاون مع النظام البائد، وهو ما يضع الشعب السوري في مواجهة بعضه البعض على امتداد الوطن.
ورغم أن الحكومة السورية قلصت هذه الموجة المسعورة وتصدت لها، فإن أحداً لم يتمكن من تفسير ما يجري لأنه يخرج عن الواقع والمنطق؛ فالمناطق التي تتعرض لهجمات تعيش حالة من الهدوء التام، إلا أن القوى الشريرة والمسعورة طائفياً لا تزال تبحث عن إثارة المشكلات ضد الأبرياء بذريعة أنهم من الفلول، مع أن هذه التهمة مطاطة ويمكن توجيهها إلى كل إنسان كان يعيش في سوريا خلال الفترة الماضية.
وفيما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تنشغل بمحاولة تفسير ما جرى ويجري في منطقتي عش الورور والمزة 86، اللتين تعرضتا لهجمات غير مبررة ومفاجئة من قبل شبان من المدينة يرفعون شعارات طائفية تحت عنوان محاسبة أبناء تلك المناطق الذين شاركوا في الحرب وطردهم من منازلهم، كان الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني يتناولان الشاي مع مواطنين آخرين في حي القصاع الدمشقي، في مفارقة عجيبة وغريبة لا يمكن إيجاد تفسير لها.
ومع أن القوى الأمنية السورية حالت بين هؤلاء المعتدين والمواطنين الأبرياء في الحيين المذكورين، عش الورور والمزة 86، اللذين تسكنهما أقليات من المكونات السورية، معظمهم من الساحل السوري، ورغم شراسة الاعتداءات ولغة التحريض ونشر الخوف التي أظهرتها مقاطع الفيديو المتداولة، ودعوة قوات الأمن للأهالي إلى الالتزام بالمنازل وعدم الاحتكاك مع هؤلاء الشبيحة الجدد الغاضبين الذين ينتمون إلى الأكثرية الحاكمة، فإن التساؤلات في الشارع السوري لم تجد لهذه الهجمات التي طالت مناطق كثيرة خارج العاصمة، ولم تقتصر على مكون طائفي محدد، أي تفسير أو مبرر.
فلا يمكن طرد مواطن من منزله لمجرد أن هؤلاء الغوغاء يطالبون بذلك بحجة أنه من فلول النظام السابق، وإنما الهدف هو جر البلاد إلى مزيد من الانقسام والفوضى ومنع توحيدها من جديد. وقد سيطرت على الشارع السوري مشاعر الخوف والقلق والتوتر من محاولات إسرائيل ضرب الوحدة بين مكونات الشعب السوري واستخدام أدواتها وتكرار مجازر الساحل والسويداء، خاصة مع اتساع التحركات والاعتداءات الإسرائيلية وتهديدات حكومة الاحتلال بتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، ومواصلة الحرب والاعتداءات ضد مناطق الجنوب السوري ودعم انفصال السويداء عن الوطن الأم.
وتستخدم إسرائيل أساليب الضغط على الحكومة من أجل الحصول على تنازلات خلال المفاوضات المرتقبة التي تدفع الولايات المتحدة باتجاه استئنافها بين سوريا وإسرائيل، بالتوازي مع المفاوضات بين إسرائيل ولبنان. غير أن دمشق تدعو إلى العودة إلى اتفاقية الهدنة عام 1974، وإلى وقف الاعتداءات ضد الأراضي السورية، وترفض زج الجيش العربي السوري في أي معارك لا تخدم المصلحة الوطنية السورية.
وهذا يتعارض مع المخطط الإسرائيلي الإجرامي؛ ولهذا فإن إسرائيل ربما تزيد من اعتداءاتها ومن تدخلاتها في الشأن السوري مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول القادم. فأي اهتزاز أو اختلال للأمن في سوريا يعتبره الصهاينة، في هذه الظروف، بمثابة انتصار يسجل لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
ويبقى الرهان على وعي الشعب السوري وتمسكه بوحدته واستقلاله واعتماده على مؤسساته، وعلى قدرة الحكومة على مواجهة الضغوط ورفض الانخراط في حروب لا تخدم مصالح سوريا التي تسعى إلى إعادة الاستقرار والسلام إلى المنطقة.
يحيى كوسا – أخبار الشام

