
يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد قمة الناتو في أنقرة وما جرى خلالها من مداولات حول حربي إيران وأوكرانيا، أن يجمع المال ويحتشد بالقوى الحليفة لبلاده لمواصلة الحرب على إيران إلى ما بعد الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل، ضاربًا عرض الحائط بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي وُلدت ميتة بوساطة باكستانية.
ومع وجود فجوة واسعة بين أمريكا وإسرائيل حول أولويات الحرب، وضرورة التركيز على الملف النووي والصواريخ بدلًا من مضيق هرمز، يواصل الرئيس ترامب معاركه التي تملأ الدنيا وتشغل الناس، ما يخلق واقعًا سياسيًا ضاغطًا على الجميع. فبعد أن ظن البعض أن المعركة انتهت، إذا بها تندلع من جديد، وإذا بالرئيس ترامب يعيد فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، ويستنفر لأجل ذلك 50 ألف عسكري أمريكي، ويخرق الاتفاق الذي وقّعه إلكترونيًا باستعراض أمام الكاميرات في قصر فرساي بفرنسا خلال قمة السبع في 18 يونيو، قبل أن يوقعه نائبه جي دي فانس رسميًا في سويسرا مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في 19 يونيو 2026. لكن ذلك كان مجرد خدعة أمريكية، وهذا ما يتكشف اليوم من خلال عمليات القصف الأمريكية المتواصلة على الطرق والجسور ومحطات الاتصالات البحرية والبنى التحتية في محيط مضيق هرمز، وبخاصة على مدينة بندر عباس، التي يحاول الجيش الأمريكي عزلها عن إيران عبر تدمير جسورها والطرق المؤدية إليها، إضافة إلى قصف الجزر الإيرانية مثل خارك وقشم وأبو موسى وغيرها، وذلك لمنع تصدير النفط الإيراني وتعطيل الحركة في محيط المضيق، للإيحاء بأن أمريكا، وليس إيران، هي من تتحكم بمضيق هرمز.
سبعة أيام متواصلة من القصف حتى كتابة هذه السطور، وفي كل يوم تتسع الأضرار والخسائر، وتصدر القيادة المركزية الأمريكية بيانات يومية تعرض الفيديوهات وأماكن القصف الكثيف بالطائرات الحربية والمسيرات، وتظهر التدمير الواسع وكيف تلتهم النيران كل شيء، ومنها سبعة جسور في محيط بندر عباس. وليس هذا فحسب، بل إن هذا الملف وما يترافق معه من عنجهية يتزامن مع تهديدات أمريكية مستمرة تصدر عن ترامب شخصيًا بأن ما يحصل مجرد ضربات محدودة لتحسين ظروف التفاوض ليس إلا. مع أن المفاوضات توقفت بسبب مراسم تشييع الخامنئي التي استمرت لمدة أسبوع، وفور انتهاء المراسم بدأت عمليات القصف الأمريكية، وكان أعنفها أيام 15 و16 و17 و18 تموز الجاري، وطالت مدنًا عديدة، وبخاصة بندر عباس وهرمزغان وسيربك والأهواز وبوشهر.
أما الرد الإيراني فقد طال المواقع والقواعد الأمريكية في الكويت بشكل رئيسي، وهدد مستشار الخامنئي بالهجوم البري ضد الكويت في حال استمرار التصعيد الأمريكي. وقال المستشار العسكري لقائد الثورة والجمهورية، اللواء محسن رضائي، إن عدم دخول إيران مرحلة الهجوم البري والتدمير العنيف خارج الحدود يعود لرغبتها في تجنب الصدوع الأمنية على المستوى الدولي. وأضاف رضائي: إذا استمرت حسابات أمريكا الخاطئة، ستتخطى حينها القوات المسلحة الإيرانية الحدود وتفعّل قدراتها الواسعة وغير المعلن عنها.
كما طال الرد الإيراني، بالإضافة إلى الكويت، بشكل واسع المعارضة الإيرانية الكردية في كردستان العراق، والمراكز والمنشآت الأمريكية في الإقليم الذي تحول خلال أسبوع كامل إلى منطقة حربية، وتم تفجير عشرات الطائرات المسيرة التي أصابت أهدافها، وإسقاط بعضها. وكان لافتًا أيضًا إعلان الحرس الثوري قصف قاعدة التنف الأمريكية في سوريا، ورغم النفي السوري، فإن وسائل إعلامية وحقوقية أكدت وجود قوات أمريكية في القاعدة رغم إعلان واشنطن إخلاءها منذ العام 2025.
كما طال القصف الإيراني قاعدة العيديد في قطر، وقواعد في الأردن، وتم تدمير مراكز إطلاق طائرات مسيرة ورادارات في قاعدة الأزرق في الأردن. وفي الرد السياسي، وجهت طهران شكوى ضد الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي، وحملت واشنطن المسؤولية عن التصعيد وتهديد أمن المنطقة والعالم.
وعلى صعيد آخر، استهدفت القوات البحرية الإيرانية، بواسطة صاروخ كروز، سفينة في المحيط الهادئ تابعة للولايات المتحدة. وفيما تواصل القوات الأمريكية، سنتكوم، حصارها البحري على الموانئ الإيرانية لمنع إيران من تصدير نفطها أو استيراد بضائعها، فإن طهران أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى إغلاق مضيق باب المندب أيضًا، بالإضافة إلى مضيق هرمز، لكنها لا تزال تعض على جراحها وتتروى كي لا يؤدي إغلاق باب المندب إلى تداعيات اقتصادية خطيرة على العالم، وليس على أمريكا وحلفائها فقط. غير أن استمرار الضغط الأمريكي وإصرار ترامب على استسلام إيران وفتح مضيق هرمز ربما يدفع طهران إلى إغلاق باب المندب عبر حلفائها الحوثيين في اليمن، والذين أكدوا استعدادهم للدخول في الحرب، إلا أن إيران رفضت توسيع الحرب. كما أن أمريكا في المقابل رفضت مشاركة إسرائيل في الجولة الأخيرة من الضربات الأمريكية، والتي يمكن تسميتها بالحرب الثالثة بعد حربي 12 يومًا عام 2025 و40 يومًا عام 2026 بمشاركة إسرائيل، أو الحرب المحدودة كما يسميها ترامب، والتي بدأت في 12 تموز بعد أن أصرت إيران على فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، ومع اشتداد الخلاف مع واشنطن حول تفسير البند الخامس من مذكرة التفاهم، وهذا البند يتعلق بفتح مضيق هرمز. عندها قامت القوات الأمريكية وشنت هجمات مكثفة شملت مناطق ومدنًا إيرانية عدة، عدا طهران وأصفهان وشيراز، بل تركزت الضربات في منطقة العمليات الحربية في مضيق هرمز الذي يبلغ عرضه 33 كلم.
ومع توقف المفاوضات واقتراب انتهاء مهلة الـ60 يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لإتمام المفاوضات والتوصل إلى اتفاق شامل في منتصف آب القادم، فقد تبين لاحقًا أن هناك قصورًا في تصور الوضع وما يحتاجه من وقت وجهد، ويبدو أنه من المستحيل خلال هذه الفترة القصيرة إنجاز هذا الاتفاق في ظل اتساع الخلافات وانعدام الثقة بين واشنطن وطهران بعد أربعة عقود من العداوة، وبعد الخديعة الأمريكية المكشوفة وإصرار واشنطن على الضغط العسكري والعودة لحشد الحلفاء والحديث من جديد عن إسقاط النظام، في وقت نجحت فيه إيران في تصدير صورة مختلفة خلال تشييع المرشد علي الخامنئي عما في أذهان الأمريكيين بشأن شعبية المرشد وحجم التأييد الشعبي له، وبعد الكلمة التي وجهها المرشد مجتبى الخامنئي والتي تعهد خلالها بالانتقام لاغتيال والده وقادة الجيش الإيراني والمسؤولين الكبار في الحكومة الإيرانية، ولم يتحدث فيها عن السلام مع أمريكا.
وإذا كانت الأمور حتى الآن تجري ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، فإنه من الواضح أن واشنطن استبعدت إسرائيل من المشاركة في الضربات الأخيرة على إيران، وذلك لتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، رغم رغبة نتنياهو بالمشاركة. إلا أن الخلافات تتسع بين نتنياهو وترامب حول موضوع الجبهة اللبنانية وتواصل التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، كما أثارت زيارة ترامب لأنقرة ومحادثاته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة الناتو حفيظة الحكومة الإسرائيلية، التي باتت تعتبر تركيا العدو رقم 1 دون أن تسميها، خاصة أن ترامب طالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان وسوريا، لكنها رفضت رفضًا قاطعًا الطلب الأمريكي.
ويبدو أن لدى أمريكا كما إيران الكثير من الأوراق لتلعب بها، ومع انحسار الوساطة الباكستانية وانعدام القدرة على مواكبة الأحداث وابتعاد فرص السلام وتقدم فرص المواجهة الشاملة مع تحول الحرب إلى حرب استنزاف طويل الأمد ربما طوال فترة حكم ترامب، مع الإشارة إلى أنه، على عكس ما يتصور البعض، فإن استمرار الحرب الأمريكية ضد إيران ربما يخدم ترامب وفريقه في الانتخابات النصفية للكونغرس، كما يخدم نتنياهو وحكومته المتطرفة، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي حدثت خلال قمة الناتو في أنقرة والتقارب الأمريكي التركي وقبول أمريكا بيع أنقرة طائرات إف 35، واحتمال التقارب بين ترامب وحكومة حزب العمال البريطاني الجديدة بعد رحيل حكومة ستارمر التي رفضت بشكل نهائي المشاركة في حرب لم يشاورها أحد فيها.
وبالتالي، فإن استمرار الحرب، وإن كانت محدودة كما يقول ترامب، مع غياب وساطة دولية وازنة وفاعلة وقادرة على تقديم ضمانات حقيقية لكل من أمريكا وإيران، يضاعف المشكلات ويعقد الحلول ويطيح بلا رجعة بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية بعد أن وصلت الوساطة الباكستانية إلى طريق مسدود. ومن المتوقع أن تلعب روسيا دورًا محوريًا في الملف النووي في نهاية المطاف، بالنظر إلى علاقاتها الجيدة مع إسرائيل وإيران، كما أن استمرار الحرب من شأنه أيضًا جسر الهوة بين ترامب ونتنياهو، لأن كليهما في مأزق داخلي ويحتاج إلى مواصلة الحرب للظهور بموقع المنتصر أمام إيران، بعدما كشفت مذكرة التفاهم بوضوح رجحان الكفة لصالح إيران باعتبارها منتصرة، رغم تبجح ترامب المتكرر بأنه دمر قدرات إيران وأنه قضى على برنامجها النووي والصاروخي، مع العلم أن إيران لا تزال ترد الضربة بالضربة والصاع بالصاع، ولا يمكن لأحد التنبؤ إلى أين تسير الأمور في ظل وجود قوى دولية كالصين وروسيا تعتبر أن الولايات المتحدة هي المعتدية لأنها شنت حربًا غير مبررة على إيران، وبالتالي فوازنات القوة موجودة لدى الجانبين لجهة عناصر الاستمرار بالمواجهة والدوافع إلى التصعيد.
وفي آخر تصريحات لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بعد أيام من الضربات الأمريكية على إيران وبعد خطاب ترامب الذي كان يتوقع أن يخصصه للحديث عن الحرب مع إيران فإذا به يصوب سهامه باتجاه الانتخابات الأمريكية والوضع الداخلي ويتهم روسيا والصين بالتلاعب بالانتخابات الأمريكية في محاولة منه لتوجيه الرأي العام والهرب من استحقاقات المعركة وتداعياتها الداخلية وارتفاع الأسعار، أدانت موسكو وبكين تصريحات ترامب ومزاعمه حول تدخلهما في الانتخابات لصالح الديمقراطيين.
وحول تجدد المعارك في الخليج، أكد وزير الخارجية سيرغي لافروف أن بلاده تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط وإعادة الوضع إلى ما كان عليه حين كان مضيق هرمز مفتوحًا. وحذر لافروف من اتساع رقعة الحرب، وقال إن الحوثيين في اليمن أكدوا أنهم سيغلقون باب المندب إذا استمر القصف ضد إيران، وعندها ستكون العواقب بالغة السوء على التجارة العالمية. وحمّل واشنطن المسؤولية عن التصعيد، وقال إن الزملاء الأمريكيين يدعون إلى استئناف حرية الملاحة، لكن هذه الحرية كانت قائمة بالفعل قبل بدء العدوان على إيران. واعتبر الوزير الروسي أن الضرر لا يقتصر على أطراف النزاع المباشرين، بل يمتد ليشمل دول مجلس التعاون الخليجي التي توجد على أراضيها قواعد أمريكية. وجدد لافروف دعم بلاده لمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، لكن التوقعات لم تتحقق، وأشار إلى أن تجدد التصعيد في المنطقة يؤدي إلى تراكم المخاطر على الاقتصاد والأمن في المنطقة.
كل الطرق تؤدي إلى واشنطن والبيت الأبيض، وإلى الرئيس ترامب بالتحديد، الذي سيحضر مباراة كرة القدم بين إسبانيا والأرجنتين في نهائي كأس العالم الذي تنظمه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يوم الأحد 20 تموز 2026. وربما احتكاك ترامب بالجمهور الرياضي سيجعله يقترب أكثر من أجواء السلام ويعيش لحظات السلام وأهميتها للعالم. أما إذا استمر ترامب في تخرصاته وتقلبات مزاجه وتعنتِه وإصراره على استسلام إيران وفتح هرمز بالقوة، فإن المحصلة ستكون الخراب والفوضى في منطقة الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار، وانقطاع طرق التجارة الدولية، وإغلاق ممرات توريدات الطاقة، وعندها ستقع الفأس بالرأس، ويفقد العالم توازنه ويخسر الجميع، ولن ينتصر ترامب في أي حال من الأحوال.
يحيى كوسا

