
مكة — وقّع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، اتفاق مكة لحفظ الأمن الإقليمي وحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر، بعد تراجع المظلة الأمنية الأمريكية التي حمت السعودية لعقود.
ولا شك أن توقيت الإعلان عن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، في 7 يوليو 2026، قبل انتهاء الحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا وإيران، وعدم مشاركة مصر في هذا التحالف العسكري المثير للجدل، يطرحان العديد من التساؤلات حول أهداف هذا التحالف، الذي وصفه البعض بأنه «ناتو إسلامي مصغر» يحمل طابعًا طائفيًا ومذهبيًا.
وفي المقابل، حرص داعمو هذا التحالف الثلاثي على ترسيخ قناعة بأنه غير موجه ضد إسرائيل، لكون الدول الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان، حلفاء حقيقيين للولايات المتحدة الأمريكية التي تخوض الحرب ضد إيران بالنيابة عن إسرائيل.
ويبدو أن المملكة العربية السعودية، بما تمثله من حالة إسلامية فريدة ومركز مالي واقتصادي عالمي، وجدت نفسها واقعة بين نارين: نار الحرب بين أمريكا وإيران، ونار حرب اليمن التي استعرت من جديد، وفيها متغير خطير يتمثل باتساع الخلاف مع الإمارات، فلجأت إلى تركيا وباكستان بدلًا من الولايات المتحدة التي فشلت في حماية قواعدها في الخليج، وتحولت تلك القواعد إلى كابوس بالنسبة للسعودية.
وإذا كان هذا هو حال السعودية، فإن مخاوف تركيا على مستقبلها كنظام سياسي إسلامي تبقى مشروعة، بعد رفض الأكراد الدخول في حرب مع إيران، وبعد تدهور العلاقات بين إسرائيل وتركيا وتحول هذه العلاقة في سوريا إلى منافسة حادة على النفوذ ومواجهات على الأرض.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك العداوة بين إسرائيل وباكستان بسبب البرنامج النووي الباكستاني، الذي يؤرق الاحتلال الإسرائيلي منذ الإعلان عنه، فإن النتيجة التي نصل إليها هي حاجة كل من تركيا وباكستان إلى السعودية كمظلة أمنية بعد تراجع دور الحليف الأمريكي.
وبالتالي فإن اتفاق مكة، بما تملكه الدول الثلاث من قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية ونووية، يحمل طابعًا رمزيًا ومعنويًا، ذلك لأن باكستان تقوم بوساطة بين أمريكا وإيران، ولم تقم طوال الحرب بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية رغم وجود قوات لها في المملكة. ولا ننسى أيضًا أن العامل الإسرائيلي كان حاسمًا في إحجام ترامب عن تزويد السعودية بمفاعلات نووية للأغراض السلمية، واشترط عليها الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية مع إسرائيل، وهو ما رفضته الرياض.
وفي ضوء هذه المعطيات الإيجابية والسلبية بخصوص ظروف التوقيع على الاتفاق في مكة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، وإحجام مصر عن المشاركة لأسباب وحسابات خاصة بالدور المصري المتعاظم، يمكن تفسير أسباب التوضيحات والمبررات التي صدرت من الرياض وإسلام آباد وأنقرة للدفاع عن الاتفاق.
وفي هذا الإطار، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاق ليس موجهًا ضد أحد، سوى ضد الدول التي تهاجم إحدى الدول الثلاث الموقعة، وأنه اتفاق دفاعي محض وليس هجوميًا، وأنه مفتوح أمام الدول الأخرى. ومع العلم أن دول الخليج كالإمارات والبحرين وقطر والكويت شعرت بالخذلان والعجز، إذ إن أحدًا لم يتشاور معها أو يدعها لهذا التحالف، الذي يتوقع البعض أن تنضم إليه دول أخرى حليفة للولايات المتحدة في حال استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتوسعها.
وفيما اعتبر الوزير التركي أن السعودية وباكستان وتركيا ليست دولًا «توسعية»، وأن الاتفاق سيجلب الاستقرار الدائم إلى هذه المنطقة التي ارتبط اسمها بعدم الاستقرار خلال المئة عام الماضية منذ انسحاب الدولة العثمانية منها، أوضحت وزارة الخارجية السعودية أنه بموجب الاتفاقية يعتبر أي هجوم خارجي مسلح على أي من الدول الثلاث بمثابة هجوم على الجميع، مع الإشارة إلى الحرب التي تخوضها السعودية مع أنصار الله الحوثيين في اليمن، والتي أخذت أشكالًا تصاعدية بعد التوقيع على اتفاق مكة.
وأشارت الخارجية السعودية إلى أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تتيح للدول الثلاث المؤسسة تطوير القدرات الدفاعية المشتركة والردع الاستراتيجي ورفع الجاهزية، وتعمل على تطوير وتكامل القدرات الدفاعية للدول الثلاث في التصدي المشترك لأي تهديد.
وفي تصريحات مماثلة لتصريحات هاكان فيدان والخارجية السعودية، بررت إسلام آباد، التي تلعب دورًا أساسيا في الوساطة بين أمريكا وإيران لإنهاء الحرب، مشاركتها في هذا التحالف الذي ولد بعد مخاض عسير وطويل وسط حرب هوجاء تجتاح المنطقة. وقال وزير خارجيتها إسحاق دار، واصفًا اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وتركيا بأنها دفاعية بحتة ولا تستهدف أي دولة، إن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، استنادًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وأضاف أن الاتفاق ثمرة سنوات من التنسيق، ولا يلغي أي اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف قائمة، وهو مفتوح لأي دولة في المنطقة تلتزم مبادئه وتحل الخلافات باحترام متبادل ووسائل سلمية.
أما في واشنطن، فقد كان للسفير الأمريكي السابق كريستوفر هيل رأي آخر، إذ اعتبر في مقابلة مع CNN أن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يعكس تراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية بالمنطقة.
مصر تحجم عن المشاركة في اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان
وفور الإعلان عن اتفاق مكة، راح المحللون والمراقبون يحاولون إيجاد تفسير لعدم انضمام مصر إلى الاتفاق، رغم أنها شاركت في المسار السياسي والتشاوري الرباعي السابق. إلا أنها لم توقع على الاتفاقية الدفاعية، وهو ما يُعزى إلى نهج الدبلوماسية المصرية في الحفاظ على استقلالية قرارها الأمني، وعدم الانخراط في تحالفات عسكرية مقيّدة خارج نطاق أولوياتها الاستراتيجية المباشرة.
وفيما أكد وزير خارجية تركيا أن مصر قد تنضم إلى الاتفاق بمجرد تسوية بعض المسائل الفنية، وأنه سيتم تشكيل لجنة وزارية في إطار الاتفاق على غرار حلف الأطلسي، شدد على أن تركيا ستشارك في تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر بقيادة السعودية.
ورغم مشاركة مصر في المحادثات السياسية التمهيدية الخمس، التي كان آخرها في عمان بالأردن، فإن المفاجأة كانت بأن اتفاق مكة خرج ثلاثيًا وليس رباعيًا، ولم تشارك مصر بتوقيعه، ما أثار الكثير من التساؤلات والتكهنات حول أسباب امتناع مصر عن المشاركة في هذا التحالف الذي ينظر إليه المحللون على أنه تحالف ضد إيران أكثر من كونه تحالفًا ضد إسرائيل.
وربما يكون إحجام مصر سببه اتفاق السلام الذي يربطها بإسرائيل، والذي يمنع انضمامها إلى أحلاف عسكرية في المنطقة مهما كان شكلها وأهدافها. كما أن مصر تقوم بدور وسيط مع إيران وأمريكا، ولا تريد أن تكون الخصم والحكم في الوقت نفسه.
وألأنه، كما نقول دائمًا، لا حرب في المنطقة بدون مصر ولا سلام بدون سوريا، فإن عدم دخول مصر في التحالف الثلاثي إشارة إيجابية على أن المنطقة تتجه إلى السلام، وإن عدم دخول سوريا في هذا التحالف العسكري إشارة أيضًا على أن المنطقة تتجه إلى السلام أكثر منه إلى الحرب، رغم أن الاتفاق مفتوح لانضمام دول أخرى.
لكن سوريا، منذ 8 ديسمبر 2024، تسعى إلى الاستقرار والسلام وتؤكد أنها لا تريد الصدام مع إسرائيل، كما أنها لا تريد أن تفتح جبهات جديدة في المنطقة، وقد رفضت طلبًا أمريكيًا لمهاجمة حزب الله في لبنان.
وهكذا، فإن السعودية وتركيا، رغم علاقتهما الوثيقة بالصراع العربي الإسرائيلي، ليستا من دول المواجهة والجوار لإسرائيل، كما أنه لا توجد مبررات منطقية تدفعهما لإعلان الحرب ضد إيران. ولهذا فإن الاتفاق الذي تم توقيعه في مكة لا يعدو كونه وثيقة عهد وائتمان وعرفان بالجميل للمملكة العربية السعودية، وتقوية موقفها ورعاية مصالحها وسيادتها في مواجهة أي هجوم خارجي.
أما التهويل والتخويف من اندلاع حرب طائفية ومذهبية، فإن حرب أمريكا وإيران أثبتت أن مثل هذه الحرب مجرد أوهام، فمصالح الدول واستقرارها أولى بالاهتمام من المخططات والمؤامرات التي أصبحت مكشوفة ولم تعد تنطلي على أحد.
واتفاق مكة بين الرياض وباكستان وتركيا وثيقة لها دلالاتها ورمزيتها المعنوية أكثر من كونه اتفاقًا عسكريًا قادرًا على تغيير الخرائط والمعادلات التي يتم فرضها ورسمها في المنطقة والعالم بقوة السلاح، وليس بالأماني والوعود والاتفاقيات التي لا تقدم ولا تؤخر.
يحيى كوسا

