
في السابع عشر من يوليو 2026، وقف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمام الصحفيين في موسكو ليعلن عن تطور اعتبرته الأوساط الدبلوماسية “الأهم في تاريخ النقل العالمي منذ افتتاح قناة السويس”. فبعد أكثر من عقدين من المفاوضات والتخطيط، أكد لافروف أن “الأطراف الثلاثة – روسيا وأذربيجان وإيران – أبدت اهتماماً حقيقياً” بإنجاز الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC)، مشيراً إلى أن الجانب الإيراني “أكمل مؤخراً عملية الاستحواذ على الأراضي اللازمة لقطاع رشت-آستارا، الذي كان غيابه يعيق بدء الأعمال ذات الصلة”. هذا الإعلان، الذي جاء بعد أيام من إطلاق أول شحنة تجريبية من سانت بطرسبرغ إلى مومباي عبر الممر، لم يكن مجرد خبر اقتصادي عابر، بل كان إعلاناً عن ولادة شريان تجاري جديد يغير قواعد اللعبة في التجارة العالمية، ويكسر احتكار القوى الغربية للممرات البحرية التقليدية، ويحقق حلماً روسياً عمره ثلاثة قرون: الوصول إلى المياه الدافئة والمحيط الهندي عبر طريق لا تسيطر عليه القوى الأوروبية.
لم يكن هذا المشروع وليد لحظة سياسية عابرة، بل هو تتويج لحلم استراتيجي روسي يعود إلى عهد بطرس الأكبر، الذي كان على يقين من أن روسيا لن تصبح قوة عظمى حقيقية ما لم تصل أساطيلها إلى طرق التجارة البحرية العالمية. فمنذ ذلك الحين، ظلت روسيا تبحث عن ممر تجاري يربطها بالجنوب عبر أراضي لا تتجمد مياهها، وتتجاوز المضائق الخاضعة للسيطرة الغربية. اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة قرون، يتحقق هذا الحلم عبر ممر يمتد لأكثر من 7200 كيلومتر، يربط سانت بطرسبرغ على بحر البلطيق بمومباي على المحيط الهندي، مروراً بروسيا وبحر قزوين وإيران والمياه الخليجية. هذا الممر، الذي يختصر المسافة بين روسيا والهند إلى النصف مقارنة بالطريق عبر قناة السويس، ويقلل زمن النقل من 30-45 يوماً إلى 10 أيام فقط، ليس مجرد اختصار للوقت والمسافة، بل هو ثورة في هندسة التجارة العالمية.
جوهر هذه الثورة يكمن في التحدي المباشر الذي يمثله الممر للهيمنة الغربية على الممرات البحرية الحيوية. فقناة السويس، التي كانت لقرون شريان التجارة بين الشرق والغرب، أصبحت اليوم عرضة للتهديدات الجيوسياسية والقرصنة والحروب، كما أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أصبح ساحة صراع مفتوحة بعد الحرب على إيران. في هذا السياق، يقدم ممر “شمال-جنوب” بديلاً استراتيجياً لا يعتمد على الممرات البحرية التي تسيطر عليها القوى الغربية، بل يعتمد على شبكة متكاملة من الطرق البحرية والبرية والسكك الحديدية التي تمر عبر أراضي روسيا وإيران وأذربيجان والهند. هذا التنوع في وسائل النقل يمنح الممر مرونة هائلة، ويجعله أقل عرضة للحصار أو الابتزاز، وهو ما يفسر لماذا وصفه الرئيس فلاديمير بوتين بأنه “سيساعد بشكل كبير في تنويع تدفقات النقل الدولية”.
الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع تتجلى في ثلاثة مستويات رئيسية. أولاً، المستوى الاقتصادي: فالممر سيخفض تكاليف النقل بنحو 2500 دولار لكل 15 طناً من الحمولات، وسيزيد من حجم التجارة بين روسيا والهند، التي شهدت بالفعل قفزة بنسبة 46% بين أبريل 2021 وفبراير 2022 لتصل إلى 11.9 مليار دولار. كما أن الممر سيفتح أسواقاً جديدة لروسيا في جنوب آسيا والشرق الأوسط، وسيوفر لإيران منفذاً تجارياً حيوياً بعيداً عن الحصار البحري الأمريكي، حيث قدر مسؤولون إيرانيون أن ما يصل إلى 40% من تجارة إيران يمكن تحويلها إلى النقل البري. ثانياً، المستوى السياسي: فالممر يمثل تحدياً صريحاً للعقوبات الغربية، حيث يسمح لروسيا وإيران بالالتفاف على الحصار المالي والبحري عبر قنوات تجارية جديدة لا تخضع للسيطرة الغربية. هذا التحدي، الذي وصفته واشنطن بأنه “توسيع للشراكة الدفاعية غير المسبوقة” بين موسكو وطهران, يضع الممر في قلب الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى. ثالثاً، المستوى الجيوسياسي: فالممر يعيد رسم خريطة النفوذ في أوراسيا، ويعزز دور روسيا كجسر بين أوروبا وآسيا، ويقلص من أهمية الممرات البحرية التي تسيطر عليها القوى الغربية، ويفتح الباب أمام دول أخرى للانضمام إلى هذا المشروع الطموح، حيث توسع عدد الدول المشاركة من 3 دول في عام 2000 إلى 14 دولة حالياً.
في خضم هذا المشهد، تبرز إيران كحجر الزاوية في هذا المشروع الطموح. فالممر يمتد عبر الأراضي الإيرانية من بحر قزوين إلى الخليج العربي، ويرتبط بمينائي بندر عباس وتشابهار الاستراتيجيين. وقد أبدت طهران اهتماماً متزايداً بتسريع إنجاز الممر، خاصة في ظل الحصار البحري الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة.
وفي خطوة تعكس هذا الاهتمام، خصصت الخطوط الملاحية الإيرانية 300 حاوية لنقل البضائع عبر الممر، وأعربت طهران عن دعمها لانضمام قطر والسعودية إلى الممر، في مؤشر على أن الممر قد يتحول إلى منصة إقليمية للتعاون تتجاوز المحور الروسي-الإيراني. أما الهند، فهي الطرف الثالث المؤسس، وتعتبر الممر بوابة استراتيجية للوصول إلى آسيا الوسطى وأوروبا دون المرور عبر باكستان، وقد استثمرت نيودلهي بالفعل 120 مليون دولار في تطوير ميناء تشابهار، ومدت خط ائتمان بقيمة 250 مليون دولار للبنية التحتية المرتبطة به.
في الجانب الآخر، تقف القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، أمام هذا المشروع بموقف متناقض. فمن ناحية، تدرك واشنطن أن الممر سيقوض فعالية عقوباتها على روسيا وإيران، وسيقلص من اعتماد أوروبا على قناة السويس، وسيفتح الباب أمام نفوذ روسي متزايد في جنوب آسيا والشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى، تجد واشنطن نفسها عاجزة عن منع هذا المشروع، خاصة وأن الدول المشاركة فيه، بما في ذلك الهند التي تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع الغرب وروسيا على حد سواء، ليست مستعدة للتضحية بمصالحها الاقتصادية من أجل إرضاء واشنطن. هذا العجز الغربي، الذي تجلى في فشل محاولات الضغط على الهند لوقف مشاركتها في الممر، يعكس تراجعاً في القدرة الغربية على فرض إرادتها على العالم، ويؤكد أن النظام العالمي أحادي القطب قد ولى إلى غير رجعة.
في المحصلة، فإن ممر “شمال-جنوب” ليس مجرد مشروع نقل، بل هو ثورة في هندسة التجارة العالمية، وتحدٍ صريح للهيمنة الغربية على الممرات البحرية، وتحقيق لحلم روسي عمره ثلاثة قرون. إنه يثبت أن الجغرافيا، رغم أنها قد تكون قدراً، إلا أنها يمكن تسخيرها لخدمة المصالح الاستراتيجية للدول التي تملك الإرادة والرؤية. كما أنه يظهر أن العقوبات والحصار، مهما بلغت شدتها، لا يمكنها أن توقف مسيرة التاريخ، وأن الشعوب والدول التي ترفض الخضوع ستجد دائماً طرقاً جديدة لتجاوز العقبات التي تضعها أمامها القوى الكبرى. موسكو، التي قادت هذا المشروع بصبر وحكمة، تثبت مرة أخرى أن من يمتلك الرؤية الاستراتيجية والقدرة على بناء التحالفات هو من يكتب مستقبل العالم، وليس من يمتلك القوة العسكرية والمالية وحدها. السؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستنجح القوى الغربية في تعطيل هذا المشروع أو تقويضه، أم أن قطار “شمال-جنوب” قد انطلق ولن يتوقف، حاملاً معه وعوداً بالازدهار للدول المشاركة، ونذيراً بتراجع النفوذ الغربي في أوراسيا والعالم بأسره؟ موسكو حذرت، والأدلة تتحدث، والقادم سيكون أكثر إيلاماً للهيمنة الغربية مما نتصور.

