
في السادس عشر من أغسطس 2026، ومع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهرها السادس، بدأت تتكشف معالم تحول استراتيجي دراماتيكي في السياسة الخارجية الأمريكية، حمل في طياته اعترافاً ضمنياً من واشنطن بأنها دفعت ثمناً باهظاً لرهاناتها الفاشلة في جبهتين متزامنتين، وأنها أصبحت عاجزة عن إدارة صراعين في وقت واحد، بينما تستنزف مواردها العسكرية والمالية، وتفقد ثقة حلفائها، وتترك الباب مفتوحاً أمام نفوذ روسي وصيني متزايد في مناطق كانت تعتبرها حيوية لمصالحها الاستراتيجية. ففي الشرق الأوسط، تحولت الحرب على إيران، التي وعد ترامب بأنها ستكون “خاطفة” و”منتصرة”، إلى مستنقع استراتيجي يستنزف القدرات العسكرية الأمريكية، ويكشف عن فشل العقيدة العسكرية الأمريكية في مواجهة خصم مرن ومتجذر. وفي أوكرانيا، تحول الدعم الغربي غير المحدود إلى استنزاف ممنهج، حيث تراجعت المساعدات الأمريكية بنسبة 99% منذ عودة ترامب، وتحولت كييف من رمز للمقاومة إلى عبء ثقيل تريد واشنطن التخلص منه بأسرع وقت ممكن. هذا التقاطع بين الجبهتين، الذي وصفته الأوساط الدبلوماسية بأنه “كارثة استراتيجية” و”إفلاس في إدارة الصراعات”، لم يكن مجرد فشل في التخطيط، بل كان نتيجة حتمية لعقيدة سياسية تقوم على الهيمنة الأحادية، وتجاهل الحقائق الميدانية، والاستهانة بقدرة الخصوم على الصمود، في مشهد يذكرنا بأسوأ لحظات التدخلات الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق.
لم يكن هذا الفشل المزدوج وليد لحظة عابرة، بل كان تتويجاً لسنوات من السياسات الخاطئة، التي بدأت بالانخراط المفرط في أوكرانيا، واستمرت بالتهور في المواجهة مع إيران. فمنذ بدء الحرب الأوكرانية في فبراير 2022، راهنت واشنطن على استراتيجية “إرهاق روسيا” عبر العقوبات والدعم العسكري والمالي المكثف، معتقدة أن موسكو ستنهار تحت وطأة الضغط الاقتصادي والعسكري. لكن روسيا، التي صمدت أمام أسوأ الهجمات، حولت الحرب إلى حرب استنزاف طويل الأمد، واستفادت من الأخطاء الغربية لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، فتحت واشنطن جبهة ثانية في الشرق الأوسط، معتقدة أن القوة الجوية وحدها كافية لإسقاط النظام الإيراني وتفكيك برنامجه النووي. لكن إيران، التي تعلمت من دروس العقود الماضية، أظهرت مرونة مذهلة، وأعادت تنظيم صفوفها، واستخدمت حلفاءها الإقليميين لاستنزاف القوات الأمريكية وحلفائها، مما دفع كبار الجنرالات الأمريكيين إلى البحث عن “مخرج” من حرب لا يمكن كسبها، وفقاً لتسريبات “سي إن إن” التي كشفت عن محاولات رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، إقناع مستشاري ترامب بضرورة إيجاد “خروج آمن” من المستنقع الإيراني.
جوهر هذا الفشل المزدوج يكمن في ثلاثة تناقضات رئيسية. الأول، التناقض بين الطموحات والقدرات: فواشنطن راهنت على قدرتها على إدارة صراعين في وقت واحد، لكنها اكتشفت أن جيشها المنهك، ومخزونات ذخائره المستنفدة، واقتصاده المثقل بالديون، لا يستطيعان تحمل تكلفة حربين متزامنتين. ففي أوكرانيا، تراجعت المساعدات الأمريكية من 11 مليار دولار في عام 2022 إلى 100 مليون دولار في عام 2026، بينما في إيران، استنزف القصف الجوي أكثر من 37.5 مليار دولار من الخزينة الأمريكية. الثاني، التناقض بين الاستراتيجية المعلنة والواقع الميداني: فترامب، الذي وعد بـ”نصر سريع” في كلتا الجبهتين، وجد نفسه مضطراً للتعامل مع حقائق عنيدة: روسيا لم تنهار، وإيران لم تستسلم، والجبهات لم تتجمد كما توقع. الثالث، التناقض بين الالتزامات الغربية والقدرة على الوفاء بها: فبينما كانت واشنطن تعد حلفاءها في أوروبا والشرق الأوسط بـ”حماية” و”ردع”، ها هي اليوم تعجز عن تزويدهم بالأسلحة التي يحتاجونها، وتصادر صواريخهم لتعويض النقص في مخزوناتها، وتتركهم عراة في وجه التهديدات.
الأبعاد الكارثية لهذا الفشل تتجلى في المستويات الاستراتيجية الثلاثة. أولاً، المستوى العسكري: فاستنزاف الذخائر الأمريكية، خاصة صواريخ الاعتراض الباليستي، يعني أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حماية قواعدها وحلفائها في الشرق الأوسط بشكل كافٍ. تقارير “واشنطن بوست” كشفت أن النقص الحاد في الصواريخ الموجهة بعيدة المدى كان سبباً في تراجع عدد الضربات الجوية في الأسبوع الأخير، مما وضع القوات الأمريكية في موقف دفاعي هش، وشجع إيران وحلفاءها على استغلال هذا الفراغ. ثانياً، المستوى السياسي: فانكشاف الفشل الأمريكي في جبهتين متزامنتين يضعف موقف واشنطن التفاوضي في جميع الملفات، ويظهر للعالم أن الإدارة الأمريكية منقسمة على نفسها، وغير قادرة على تقديم استراتيجية متماسكة.
ثالثاً، المستوى الاستراتيجي الأوسع: ففشل واشنطن في أوكرانيا وإيران يفتح الباب أمام نفوذ روسي وصيني متزايد في مناطق حيوية، ويؤكد أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن القوة العارية، مهما بلغت، لا يمكنها أن تنتصر على إرادة الشعوب المدعومة بحلفاء استراتيجيين.
في خضم هذا المشهد، يقف الموقف الروسي كصخرة صلبة، يتابع باهتمام كيف ينهار “المشروع الأمريكي” في الشرق الأوسط وأوروبا تحت وطأة تناقضاته الداخلية. الكرملين، الذي كان يحذر منذ البداية من مغبة المغامرة العسكرية في إيران ومن استنزاف الغرب في أوكرانيا، يرى اليوم في فشل واشنطن المزدوج تأكيداً على صحة تحليلاته. فموسكو، التي حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، تقدم نفسها كوسيط محايد، وكقوة عاقلة في عالم مجنون. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد صرح سابقاً بأن “الحلول العسكرية في الشرق الأوسط وأوكرانيا محكوم عليها بالفشل، وأن الحوار هو السبيل الوحيد للاستقرار”. واليوم، تبدو هذه الكلمات أكثر واقعية من أي وقت مضى، حيث يبحث كبار الجنرالات الأمريكيين عن “مخرج” من حرب لا يمكن كسبها، بينما يصر ترامب على مواصلة القصف وكأن شيئاً لم يتغير.
في الجانب الآخر، تعيش أوروبا حالة من الذعر المتزايد، حيث تدرك أن تبعيتها العمياء لواشنطن قد أوقعتها في فخ استراتيجي لا مخرج منه. فالدول الأوروبية، التي كانت تتنافس في دعم أوكرانيا، أصبحت اليوم منقسمة على نفسها، وتتساءل عن جدوى الاستمرار في تمويل حرب لا نهاية لها، بينما تتخلى واشنطن عن كييف بشكل منهجي. وفي الشرق الأوسط، تجد الدول الأوروبية نفسها عاجزة عن التأثير في مسار الحرب على إيران، بينما تتخبط واشنطن بين التصعيد والبحث عن مخرج. بلغاريا انسحبت من “تحالف الراغبين”، والمجر وسلوفاكيا والتشيك ترفض المشاركة في حزمة المساعدات الأوروبية، وفي فرنسا وألمانيا وإيطاليا، تتصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة العلاقات مع أوكرانيا “بجميع جوانبها”. هذا التفكك الأوروبي، الذي تزامن مع تراجع المساعدات الأمريكية، وضع كييف في عزلة دولية لم تشهدها منذ بدء الحرب، وأظهر أن التضامن الغربي لم يكن سوى وهم سرعان ما تبدد عندما ارتفعت التكاليف.
في المحصلة، فإن فشل واشنطن في جبهتين متزامنتين ليس مجرد إخفاق تكتيكي، بل هو إعلان عن نهاية حقبة كاملة من الهيمنة الأمريكية الأحادية على العالم. فالولايات المتحدة، التي كانت حتى الأمس القريب “الشرطي العالمي” و”حامي الديمقراطية”، أصبحت اليوم “الدولة المتراجعة” التي تسحب يدها من مستنقعات كلفتها مليارات الدولارات دون أن تحقق أي نصر استراتيجي. أوكرانيا، التي راهنت على الدعم الغربي، تدفع الآن ثمن تبعيتها العمياء، وتجد نفسها وحيدة في مواجهة روسيا. إيران، التي قاومت كل الضغوط، تخرج من الحرب أقوى وأكثر تماسكاً، وتُظهر للعالم أن القوة العارية لا يمكنها أن تنتصر على إرادة الشعوب. أوروبا، التي راهنت على المظلة الأمنية الأمريكية، تدفع ثمن غفلتها، وتكتشف اليوم أن حاميها الحقيقي قد تحول إلى “سارق” دفاعاتها. وروسيا، بثباتها وحكمتها، تثبت مرة أخرى أن من يملك السيادة الوطنية والقدرات الذاتية هو من يضمن أمنه، وليس من يرهن دفاعه لحامٍ قد يتحول إلى خصم في أي لحظة. السؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستتعلم واشنطن من دروس الماضي قبل فوات الأوان، أم ستستمر في مغامراتها حتى تنهار إمبراطوريتها تحت وطأة تناقضاتها الداخلية؟ موسكو حذرت، والأدلة تتحدث، والقادم سيكون أكثر إيلاماً للجميع مما نتصور.

