
تسارعت الأحداث العسكرية والسياسية المتعلقة بأوكرانيا خلال شهر يوليو وبداية أغسطس، واشتعلت الجبهات واتسعت المواجهات، وشن الجيش الروسي هجوما بريا واسعا على مختلف الجبهات، حررت خلاله القوات الروسية 32 بلدة في خاركيف ودونيتسك وبقية الأقاليم في الدونباس.
وبالتوازي مع الهجوم البري الواسع، كانت القوات الجوفضائية الروسية توجه ضربات مكثفة بالصواريخ والمسيرات إلى أهداف عسكرية في العاصمة كييف ومدن أخرى مثل خاركيف، سومي، لفيف، ميكولايف، أوديسا، وزابوريجيا، وكراماتورسك.
وجاء الهجوم الروسي البري والجوي استجابة لإعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو الماضي توسيع العملية العسكرية لإبعاد قوات كييف عن الأراضي الروسية، بما فيها الجديدة، في ظل استمرار الهجمات الأوكرانية بالمسيرات التي يصل مداها إلى 3000 كم، واستهدافها المدن الروسية المتاخمة للأراضي الأوكرانية وجزيرة القرم والسفن التجارية في البحر الأسود وصولا إلى العاصمة موسكو.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها حررت 32 بلدة في منطقة العملية العسكرية الخاصة خلال شهر يوليو، فيما أسقطت منظومات الدفاع الجوي الروسية أكثر من 21 ألف مسيرة أوكرانية فوق الأراضي الروسية خلال الشهر نفسه.
وأوضحت بيانات وزارة الدفاع الروسية أن من بين البلدات المحررة 12 بلدة في مقاطعة خاركيف، و11 بلدة في دونيتسك، بينها مدينة كوستانتينيفكا، و4 بلدات في مقاطعة سومي، و3 بلدات في مقاطعة دنيبروبتروفسك، وبلدتان في مقاطعة زابوريجيا.
ومن جانبه، أعلن عمدة موسكو سيرغي سوبيانين أن 6225 مسيرة أوكرانية حاولت الاقتراب من المدينة خلال يوليو الماضي، في أكبر موجة من الهجمات منذ بدء النزاع في 24 فبراير 2022.
ومع غياب التصريحات حول المفاوضات والوساطات التي تقوم بها بشكل أساسي إدارة ترامب، فقد طفت على السطح البيانات العسكرية، فيما راح الرئيس الأوكراني زيلينسكي يستجدي الناتو والغرب لإرسال المزيد من الأسلحة والأموال لبلاده، وذلك بعد أن تراجع ترامب عن إعطاء ترخيص لأوكرانيا لتصنيع صواريخ باتريوت، لأسباب تتعلق بالحفاظ على أسرار السلاح الأمريكي.
وأشارت البيانات التي أصدرتها وزارة الدفاع الروسية إلى سلسلة نجاحات وانتصارات تحققت خلال العمليات البرية عبر السيطرة الميدانية على العديد من البلدات، وعبر عمليات القصف التي طالت مواقع مهمة في كييف ولفيف ودنيبر، إلى جانب العمليات الروسية في البحر الأسود وقصف السفن الأوكرانية ومصانع قطع غيار الصواريخ ومنشآت الحرب الإلكترونية، مما أدى إلى قطع سلاسل الإنتاج.
وفي بيان منفصل، أكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف خزانات وقود مخصصة للجيش الأوكراني في ميناء أوديسا، وقاطرة بحرية مجهزة لاستخدام الزوارق المسيرة في ميناء نيكولايف.
وأعلنت الوزارة أيضا عن معارك عنيفة وعمليات تقدم للجيش الروسي والسيطرة على بلدات لوبيتسوكي في زابوريجيا وأولغوفكا في خاركيف، واستهداف مواقع إنتاج وتخزين المسيرات ونقاط تمركز لتشكيلات أوكرانية ومرتزقة في 152 منطقة.
وكانت أوكرانيا قد قصفت بعشرات المسيرات العديد من البلدات والمدن الروسية، منها موسكو، كما أغرقت سفينة الحاويات يانينا في البحر الأسود، ما أثار موجة من الغضب داخل الجيش الروسي وقيادته.
وفي المقابل، تحدثت الرواية الروسية عن الانتصارات التي حققتها قوات المركز بقتل مئات الجنود الأوكرانيين والمرتزقة، إلى جانب قوات دنيبر والشرق والغرب والشمال والجنوب، وعن عمليات القصف التي نفذتها القوات الجوفضائية الروسية، حيث عجزت منظومات الدفاع الأوكرانية، ومعها دفاعات الناتو، عن التصدي لأي صاروخ روسي.
حتى إن زيلينسكي، في إطار استجداء السلاح وصواريخ باتريوت، أعلن أن قواته تصدت لصاروخ واحد فقط من أصل عشرات الصواريخ التي أصابت أهدافها بدقة.
ومع الفضيحة المدوية التي أثارها تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تزويد أوكرانيا بصواريخ باتريوت أو السماح بتصنيع هذه المنظومة، ومع الانتصارات الميدانية الروسية وتحرير 32 بلدة، أصبح نظام زيلينسكي أكثر ضعفا، وأضافت هذه الإنجازات الميدانية إلى الجانب الروسي أوراق قوة جديدة.
وبالتالي، ليس أمام زيلينسكي من خيارات في ظل انعدام الثقة واتساع الهوة مع إدارة ترامب سوى العودة صاغرا إلى المفاوضات، بعدما أعلنت واشنطن في خضم التصعيد واشتعال الجبهات عزمها استئناف الوساطة وإعطاء زخم لعملية المفاوضات لإنهاء الحرب المتواصلة منذ 24 فبراير 2022، كما صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أكد أن الولايات المتحدة تعتزم استكشاف إمكانية إعادة تنشيط مسار المفاوضات بين موسكو وكييف.
والمفارقة في الحرب الروسية الأوكرانية أن زيلينسكي يخسر سياسيا وعسكريا ويستنزف أوروبا ومواردها، وقد خصص الاتحاد الأوروبي 90 مليار دولار من أجل مواصلة الحرب ضد روسيا، إضافة إلى العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا والاستعدادات الأوروبية للحرب معها وزيادة الإنفاق العسكري، كما قال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، الذي أعلن أن الأوروبيين يستعدون للحرب مع روسيا، مشيرا إلى أنهم لا يخفون ذلك بل يتحدثون عنه علنا.
ورغم تقهقر القوات الأوكرانية ونقص عتادها وفرار الشباب ورفضهم الخدمة في صفوفها، ورغم ضعف أنظمة الدفاع الجوي في مواجهة الصواريخ الروسية، فإن المفارقة العجيبة أن زيلينسكي يزداد تعنتا، ولا يزال يظن أن باستطاعته مع حلفائه في الناتو هزيمة روسيا، التي أثبتت، بعد كل العقوبات والتصعيد الغربي والأوكراني ضدها خلال شهر يوليو الماضي، أنها لا تزال تمتلك من أوراق القوة والإرادة والإصرار ما يجعلها قادرة على تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة في الدونباس كما حددها الرئيس بوتين، سواء عن طريق الحسم العسكري أو عن طريق المفاوضات.
ولا شك أن استعادة 32 بلدة خلال شهر يوليو 2026 تعد إشارة كافية إلى أن الكلمة الفصل في تحديد مصير الحرب في الدونباس ستبقى، كما كانت منذ انطلاقتها، بيد القوات الجوفضائية الروسية التي تمتلك كل عوامل النصر في هذه المعركة التاريخية.
يحيى كوسا

