
مانيلا – سجلت اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في العاصمة الفلبينية مانيلا، على مستوى وزراء الخارجية، مشاركة وزراء خارجية روسيا والصين والولايات المتحدة، إلى جانب أستراليا واليابان والهند وتركيا وباكستان والاتحاد الأوروبي، وسط مواقف سياسية طغت على الجانب الاقتصادي، في ظل تداعيات أزمة الطاقة الخطيرة التي تجتاح دول الرابطة والعالم نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتجاوز سعر برميل النفط 100 دولار.
وطغت التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تفرضها تحالفات عدد من الدول، مثل الفلبين وتايلاند مع الولايات المتحدة ضد الصين، والتنافس الجيوسياسي المتصاعد بين واشنطن وبكين في آسيا والمحيط الهادئ، وتداعيات الحرب في الخليج، على اجتماعات المنظمة التي تحاول في ظل هذه الأجواء العالمية إعادة صياغة أولوياتها وتحالفاتها للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتخفيف التوترات المتصاعدة، والتركيز على الشراكة والتعاون والتنمية.
وجاء اجتماع رابطة دول جنوب شرق آسيا الـ59 يومي 22 و23 تموز 2026 على وقع مناورات صينية واسعة في بحر تايوان، في رسالة واضحة موجهة إلى واشنطن، وبالتزامن مع اشتباك مسلح وخطير بين خفر السواحل الصيني والفلبيني، في وقت ترتبط فيه الفلبين، الدولة المضيفة، بمعاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة منذ عام 1951، وتعد مانيلا شريكاً استراتيجياً لواشنطن، إلى جانب تايلاند وعدد من الدول المتصارعة على بحر الصين الجنوبي الذي تعتبره الصين تحت سيادتها.
واستغل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي يسعى للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، وجوده في مانيلا والتوترات بين الصين وعدد من دول الرابطة، فعقد سلسلة اجتماعات لم تكن بكين راضية عنها، وكان من أهمها الاجتماع الرباعي الذي جمعه مع نظرائه وزراء خارجية الهند وأستراليا واليابان والفلبين، والذي اعتبر بمثابة تأجيج للتوتر بين الصين والفلبين.
واشنطن حجر عثرة بين بكين ومنظمة آسيان
ومع أن الصين تسعى إلى شراكة سياسية واقتصادية حقيقية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا العشر، فإن التدخلات الأمريكية في شؤون الصين الداخلية في بحر الصين الجنوبي وتايوان، والتحالف مع دول كالفلبين وتايلاند واليابان وفيتنام ودول أخرى، وإقامة أحلاف مثل حلف أوكوس مع أستراليا وبريطانيا وتحالف كواد مع الهند وأستراليا واليابان والفلبين، تهدف إلى مواجهة الصين والحد من دورها ونفوذها، ومنعها من استعادة سيادتها على تايوان، ولجم طموحاتها بالسيطرة التامة على بحر الصين الجنوبي، الذي تعتبره أمريكا وحليفاتها الفلبين وتايلاند ودول أخرى مياهًا دولية.
وإذا أخذنا بالاعتبار الأزمة الناشبة بين بكين وواشنطن حول تايوان والمتواصلة منذ عقود، فإن حرباً تخوضها الصين والولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ذات طابع تجاري وسياسي وأمني، وهي حرب باردة لكنها تتحول شيئاً فشيئاً إلى حرب ساخنة، ما يحول دون استكمال دول رابطة آسيان طموحاتها في تحقيق الاستقرار والتنمية.
لقاء وانغ يي وروبيو في مانيلا وسط توترات حول تايوان وبحر الصين الجنوبي
ويبدو أن اللقاءات السياسية المتعددة بين الدولتين العظميين، ولغة التخاطب المنخفضة بينهما، كاللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره الصيني وانغ يي في مانيلا، ولقاء القمة المرتقبة في أيلول بين الرئيس شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، رغم أنها تخفف التوترات وتقلل من السجالات، فإنها تخفي وراءها كمّاً هائلاً من التراكمات والخلافات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية. وتبدو أمريكا والصين على خلاف وتناقض تام في السياسة والتفكير وطريقة الحياة، عدا عن إحساس أمريكا بعقدة التفوق والعمل ضد الصين في السياسة والتجارة والتكنولوجيا لوقف تقدمها ومنعها من تحقيق المزيد من الإنجازات.
وجاء اجتماع وانغ يي وروبيو على هامش اجتماع آسيان في مانيلا في ظل توترات حقيقية على جبهات عدة بين الصين وجيرانها، بالتزامن مع إعلان بكين، في رسالة مباشرة إلى أمريكا، عن مناورات وتدريبات واسعة في بحر تايوان. كما أعلنت الصين عزمها بيع كمبوديا دبابات وسط احتجاجات تايلاند، واختبرت أيضاً صاروخاً جديداً دون إعلان مسبق، الأمر الذي دفع أستراليا للاحتجاج.
واستغرق اللقاء بين الوزيرين الأمريكي ماركو روبيو والصيني وانغ يي 90 دقيقة، وتناول الإعداد للقمة الصينية الأمريكية في أيلول القادم، وجاء على وقع التوترات والاتهامات الأمريكية لبكين بأنها تدعم إيران، وعلى وقع الاجتماع الذي عقده روبيو في مانيلا مع نظرائه في الفلبين وأستراليا والهند واليابان ضمن تحالف كواد الاستراتيجي، بحجة مناقشة الاشتباك الخطير الذي وقع بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي، وهو ما تعتبره بكين تدخلاً في شؤونها الداخلية.
لافروف يلتقي روبيو للمرة الرابعة ويؤكد العلاقات المتميزة بين روسيا ومنظمة آسيان
وبالإضافة إلى المشاركة الصينية والأمريكية، وأجواء التوتر السائدة بين الصين وجيرانها جراء التدخلات الأمريكية ومحاولات واشنطن عسكرة منطقة جنوب شرق آسيا وزرع الخلافات بين دولها وتهيئة المناخ لحرب باردة طويلة الأمد مع الصين، فقد طغت مشاركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ولقاءاته وتصريحاته على اجتماع منظمة آسيان، وذلك بالنظر للدور المتعاظم الذي تلعبه روسيا على الساحة الدولية، وبالنظر إلى علاقات موسكو المتميزة مع رابطة آسيان، حيث انعقدت قمة “روسيا-آسيان” في يونيو 2026 بمدينة قازان الروسية برئاسة فلاديمير بوتين، واحتفلت بمرور 35 عاماً على العلاقات الثنائية. وركّزت القمة على تعزيز الشراكة الاستراتيجية ومواجهة الضغوط الغربية.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وإيران، والتصعيد الخطير الذي شهدته الحربان خلال الأسابيع الماضية، وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة بشكل جنوني، ما دفع دول آسيان لطلب النفط والغاز من روسيا بعد الإغلاق، تشكل الاتصالات الروسية الأمريكية ولقاء لافروف وروبيو في مانيلا، بطلب أمريكي، محاولة لحشد التأييد لواشنطن التي أعلنت استعدادها للعودة للعب دور الوسيط بين موسكو ونظام كييف والعودة إلى مسار المفاوضات الذي اتفق عليه الرئيسان بوتين وترامب في قمة ألاسكا في أغسطس 2025 على إنهاء الصراع الأوكراني، إضافة إلى حاجة العالم اليوم للتعاون بين واشنطن وموسكو لوقف الحرب في الشرق الأوسط، وحاجة إيران أيضاً إلى هذا التعاون.
واستغرق لقاء لافروف وروبيو، كما هو مقرر، 30 دقيقة، وانتهى بتصريحات روسية عالية تعبر عن النجاحات الروسية العسكرية والسياسية والاقتصادية، وعدم استعجال موسكو إنهاء الصراع الأوكراني قبل تحقيق كامل أهداف العملية العسكرية الروسية الخاصة في دونباس، مقابل تصريحات أمريكية منخفضة، حيث تمر الولايات المتحدة بمرحلة حرجة بعد فشلها في إخضاع إيران، وبعد الارتفاعات المتلاحقة في أسعار الطاقة وتهديدات إيران بتوسيع الحرب ونقلها إلى البحر الأحمر وإغلاق باب المندب، ما يضع الولايات المتحدة أمام جدار عال يصعب اجتيازه دون تدخل روسيا والصين اللتين ترتبطان بإيران بتحالفات استراتيجية.
وبينما طلب الوزير لافروف من الصحفيين أن يطرحوا أسئلتهم بصوت أعلى، تجاهلهم روبيو مفضلاً عدم الرد على تساؤل حول موقف واشنطن من الدعم الروسي والصيني لإيران. وأكد لافروف مجدداً استعداد روسيا لحل النزاع في أوكرانيا والتزامها بتفاهمات أنكوراج بين بوتين وترامب.
وأوضحت الخارجية الروسية في بيان لها أن لافروف شدد خلال لقائه مع روبيو على عدم جواز الاستمرار في ضخ الأسلحة إلى أوكرانيا، وأشارت إلى أن لافروف أطلع روبيو على حقيقة الوضع على خط التماس في أوكرانيا.
ولم يغب الوضع في الخليج عن لقاء لافروف وروبيو في مانيلا، إلا أن الوقت الذي استغرقه اللقاء يوحي بأن الوزير الأمريكي كان يريد أن يوصل رسالة إلى موسكو، خاصة بعد التطورات المتسارعة السياسية والعسكرية في أوكرانيا وتغيير الحكومة وعزل وزير الدفاع الأوكراني، ورغبة الدول الأوروبية في فتح حوار مع روسيا، خاصة بعد الانتكاسات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في موضوع إعادة فتح مضيق هرمز وفشل حملتها العسكرية الثالثة على إيران والمستمرة منذ أسبوعين دون تحقيق أي اختراق أو إنجاز.
وفي تلخيص لنتائج اللقاء بين لافروف وروبيو، اعتبر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن موسكو وواشنطن على تواصل بشأن أوكرانيا، ولكن لا يمكن الحديث عن تسوية قريبة للصراع.
والمفارقة العجيبة أنه في مقابل التصعيد الأمريكي ضد إيران وتهديدات واشنطن برفع جاهزيتها العسكرية والاستعداد لتوسيع ضرباتها على إيران بـ”قاذفات ثقيلة”، فإن موسكو تسعى لترسيخ إنجازاتها والعودة إلى المفاوضات مع أوكرانيا، وتؤكد استعدادها لتسوية سياسية ودبلوماسية للنزاع، والتزامها بالمقترحات التي طرحتها الولايات المتحدة خلال اجتماع بوتين وترامب في أنكوراج.
والمفارقة هنا أن روسيا المنتصرة تدعو إلى السلام وتطالب بالمفاوضات مع نظام كييف، بينما أمريكا المنكسرة تدفع باتجاه التصعيد مع إيران وتحشد الحلفاء لمواصلة الحرب.
وعلى هامش الجلسات الرسمية لمنتدى آسيان، عُقد أكثر من 25 اجتماعاً، ودعا المنتدى في نهاية أعماله إلى ضمان حرية الملاحة البحرية، وفتح مضيق هرمز، ووقف الحرب الأمريكية الإيرانية. كما شهدت اجتماعات آسيان السياسية والأمنية والاقتصادية مباحثات بشأن التعاون في مجالات الطاقة والأسمدة الزراعية، وحظيت مشاركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأهمية كبيرة، حيث بدأت روسيا تصدير النفط إلى مانيلا وإندونيسيا.
وفي البيان الختامي، أعربت منظمة آسيان عن قلقها من تأثير الصراع المستمر في الخليج وإغلاق مضيق هرمز على إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، وشدد البيان على ضرورة الالتزام بحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي ورفض الممارسات المزعزعة للاستقرار، وسط توترات بين الفلبين والصين.
ودعا البيان إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الدول المشاركة ومنظمة آسيان.
يحيى كوسا

